فضائح ابتزاز النساء بالمؤسسات العامة والخاصة تتوالى.. لماذا لا تلجأ المرأة إلى الشكوى؟

29 أيار 2024
فجرت حوادث الابتزاز الجنسي للطالبات في الجامعات العراقية موجة غضب واسعة وأثارت مخاوف شعبية من انتشارها بشكل كبير وخفي، فيما تسببت بتوجيه ضربة موجعة لمنظومة التعليم في البلاد والتي كانت في العقود الماضية من أفضل منظومات التعليم في المنطقة.
ويؤكد أكاديميون عراقيون أن حالات الابتزاز الجنسي للطالبات باتت منتشرة على نطاق واسع في الجامعات، كما أن هذه الظاهرة لا تقتصر على مؤسسات وزارة التعليم، بل أصبحت تشمل مختلف مؤسسات الدولة حيث سجلت حالات ابتزاز لنساء وفتيات في مؤسسات حكومية مقابل إنجاز معاملاتهن.
كما شهد العراق ارتفاعا ملحوظا في جرائم الابتزاز الإلكتروني، ومنها ابتزاز النساء جنسيا مقابل عدم فضحهن بنشر مقاطع مصور أو صور خاصة بهن.
وتصل عقوبة التحرش أو الابتزاز أو أي نوع من السلوك غير المهني من قبل الموظف أو الأستاذ الجامعي، إلى الفصل وفق أحكام قانون انضباط موظفي الدولة المرقم 14/ 1991
ابتزاز طالبة في جامعة سومر
نهاية الأسبوع الماضي، أكدت مصادر أمنية اعتقال رئيس قسم علوم الحاسوب في جامعة سومر بمحافظة ذي قار واسمه (أحمد ضياء باشا) بتهمة ابتزاز الطالبات جنسياً.
وأوضحت المصادر أن “الاعتقال جاء بعد اتهامه بمساومة وابتزاز عدد من الطالبات داخل الجامعة بقضايا جنسية مقابل النجاح”، مشيرة إلى أن “المتهم أحيل للتحقيق، لغرض اتخاذ الإجراءات القانونية بحقه”.
من جانبها، أكدت جامعة سومر اعتقال أحد أساتذتها بتهمة ابتزاز الطالبات بقضايا جنسية مقابل النجاح، وقالت الجامعة في بيان، إنها “ترفض أي مساس بسمعة الجامعة وأساتذتها وتقف بشكل كامل مع الإجراءات القانونية والإدارية المتبعة في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي”.
وأضاف البيان، أن “عملية اعتقال أستاذ في كلية العلوم من قبل إحدى الجهات الأمنية هو إجراء طبيعي وضمن الضوابط والإجراءات القضائية كونها مستندة إلى شكوى ووجود خصومة سابقة”.
وأكدت الجامعة على “دعمها سلطة القضاء في كل ما يراه، مع التأكيد على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، كما أكدت تشكيلها لجنة داخلية للتحقيق في ملابسات تلك الاتهامات ومدى صحتها لاتخاذ الإجراء المناسب حال ثبوتها أو نفيها”.
وأشارت إلى “احتفاظها بحقها الشرعي في مقاضاة كل من أساء إلى سمعة الجامعة وتدريسيها دون الاستناد إلى دليل مادي وقبل بت القضاء بحكمه أو ثبوت تلك الاتهامات من عدمها”.
ابتزاز طالبة في جامعة البصرة
وكانت محكمة استئناف البصرة أصدرت في 19 أيار مايو الجاري حكماً يقضي بسجن عميد كلية الحاسوب في جامعة البصرة عماد الشاوي، لمدة 15 سنة، استنادا لأحكام المادة 393/ أ وج من قانون العقوبات واستدلالا بأحكام المادة 132/ 1 منه.
يذكر أن “العميد الشاوي كان يعد الطالبات بالدرجات التحصيلية مقابل أمور غير أخلاقية، وأنه بدأ في ابتزاز الطالبات بمقاطع الفيديو، وتطور الأمر للحصول على المال وابتزازهن، واغتصابهن داخل الحرم الجامعي”، بحسب مصادر من داخل الجامعة.
وقرر وزير التعليم العالي نعيم العبودي، سحب يد العميد الشاوي، بعد تفجر الفضيحة، علماً أن الوزير العبودي قد أسند المنصب إلى الشاوي قبل نحو 6 أشهر.
وأثار تسريب المشاهد الفاضحة للعميد الشاوي، جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية والشعبية، حيث انتقد ناشطون على مواقع التواصل الإجتماعي الانحطاط الأخلاقي الذي وصل إليه حال التعليم في العراق، مؤكدين أن تجار المال والسياسيين وراء انتشار مثل هكذا افعال مخلة بالآداب، مطالبين بحرم التدريسي وسحب لقبه العلمي وعدم قبوله بأي مكان مهما كانت المبررات والدوافع.
أسباب تفشي الابتزاز ولماذا تصمت المرأة؟
وتؤكد الناشطة في حقوق المرأة زينب الخزرجي أن ما يحصل في الجامعات العراقية وبعض مؤسسات الدولة الأخرى يعد أمرا مخجلا ومن المعيب حتى الحديث فيه داخل المؤسسات التعليمية التي يفترض أن تكون رصينة.
وأشارت الخزرجي إلى “وجود العديد من حالات الابتزاز التي تمارس سواء في المدارس أو الجامعات، لكن لم يتم الكشف عنها، لكنها أوضحت أن البيئة الأكبر للابتزاز تكمن في بيئة العمل ومحاولة بعض النساء الحصول على وظيفة في القطاع الحكومي العام أو الخاص”، منوهة إلى أن “النساء المطلقات والأرامل هم أكثر عرضة للابتزاز من غيرهن خلال تواجدهن في مؤسسات الدولة التعليمية والخدمية أو خلال محاولتهن الحصول على العمل”.
ولفتت الناشطة النسوية إلى أن “أهم الأسباب وراء هذا الابتزاز هو سكوت النساء وعدم تقديمهن شكاوى لدى السلطات المختصة بدعوى الخوف من الفضيحة المجتمعية ولعدم ثقتهن بأجهزة الدولة الأمنية أو القضائية في حال تقديم الشكاوى”.
وأوضحت أنه لا “يوجد أي مبرر يدفع النساء للقبول بالابتزاز والتحرش، وعليهن التحلي بالشجاعة، لأن السكوت عن هذا هو جريمة بحق أنفسهن”.
كما أكدت الخزرجي أن “السبب الآخر للابتزاز هو ضعف القانون وعدم خشية المبتزين من العقوبة الشديدة، وذلك ما دفع نحو التمادي في حالات التحرش والابتزاز للنساء”.
وشددت الناشطة على أن “علاج هذه المشكلة يكون عبر خطوات عدة أولها زيادة الوعي المجتمعي وتثقيف النساء على الشكوى لدى الجهات المختصة، وتشديد العقوبات على المبتزين، وإلزام السلطات على الحفاظ على السرية في حال تقديم النساء شكوى في ملفات التحرش والابتزاز”.
انتهاك صارخ لحقوق الإنسان
رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي دعا السلطات العراقية إلى زيادة الرقابة والتوعية والمتابعة لملف الابتزاز والتحرش الذي تتعرض له النساء في الجامعات أو العمل.
وقال الغراوي ، إن “ابتزاز الطالبات والعاملات والتحرش بالمرأة بشكل عام يمثل انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان على اعتبار أن حقوق المرأة مصانة وفق القانون والدستور العراقيين ووفق الاتفاقيات الدولية”.
وأضاف أن “العراق شهد مؤخرا تصاعدا ملحوظا في موضوع التحرش والاستغلال الجنسي للنساء في سوق العمل وفي الجامعات، بينما يفترض أن تكون العلاقة بين المرأة وصاحب العمل أو أستاذ الجامعة علاقة أخوية أو أبوية”، محذرا من “تفاقم هذه الظاهرة النشاز في المجتمع والمؤسسات الخاصة والعامة إن لم تتدخل السلطات لعلاجها”.
شهادات عن الابتزاز
وفي وقت سابق، كشف تقرير للمرصد العراقي لحقوق الإنسان عن حالات تحرش مرعبة في مستشفيات وجامعات ووسائل إعلام عراقية تُساوَم من خلالها النساء بـالجنس مقابل العلاج والدراسة والعمل، وسط مطالبات من نشطاء لمعالجة الأمر وسن قوانين رادعة.
وقال المرصد العراقي: إن “حالات التحرش الجنسي واللفظي آخذة في التزايد في كثير من المنشآت الحكومية والخاصة وفق شهادات لضحايا وشهود عيان”.
وفي شهادة لإحدى ضحايا التحرش قالت امرأة للمرصد: إنها “كانت ترافق والدتها المصابة بمرض السرطان خلال علاجها في مستشفى الأمل ببغداد عندما ساومها جنسيا أحد الموظفين هناك مقابل صرف العلاج لوالدتها”، وأشار المرصد إلى أنه “بعد يوم واحد على الحادثة توفيت والدتها بسبب رفضها الخضوع للابتزاز”.
وقالت امرأة ثانية وهي طالبة جامعية: إنها “تعرضت لحالة تحرش من قبل أستاذ جامعي قلل من درجتها العلمية في مادته لأنها رفضت تحرشه بها رغم أنها من المتفوقات”.
وأضافت: “كان هذا العقاب أقل حدة مما وقع على زميلة لها تحرش بها أستاذ أيضا ولم تستجب له فرسبها في مادته”.
في حين كشفت امرأة أخرى للمرصد العراقي عن “تعرضها لحالة تحرش بعد تقدمها بطلب للعمل مراسلة في قناة فضائية”، وقالت “تحرش بي رئيس المراسلين فاضطررت للانسحاب رغم كفاءتي”.
ونقل المرصد شهادة لعريف في الشرطة المحلية بشأن حادثة مساومة متسولة عربية ضبطتها دوريته في أحد شوارع بغداد دون أوراق رسمية ولا تصريح إقامة.
وأكد العريف أنه “قبل أن ينادي آمر الدورية قيادتنا العليا عبر جهاز اللاسلكي ويبلغها بالحالة بدأ الفزع على وجه المتسولة، فطلب منها ممارسة الجنس مقابل تركها تذهب، وهو ما حصل فعلا”.
وفي وقت سابق أفادت سيدات من ذوي المعتقلين لشبكة “الساعة” بتعرضهن للابتزاز والتحرش من قبل المنتسبين الأمنيين وحراس السجون، لا سيما في سجني الحوت في الناصرية والكرخ في بغداد”.
في محاولة للسيطرة على ظاهرة التحرش والابتزاز الجنسي المنتشرة في العراق، أعلن جهاز الأمن الوطني عن إطلاق حملة بعنوان “أحنا بظهركم” تهدف إلى تشجيع النساء على الإبلاغ عند تعرضهن للاعتداء، وذلك مع ضمان حماية الخصوصية.
*الساعة



