تقارير وتحقيقات

واشنطن بوست تنشر تقريرا لاستاذة جامعية تعرف بالجرائم ضد نساء بلدها

عن المهم والجوهري الذي أغفلته عناوين الأخبار حيال جرائم قتل شنيعة طالت مؤخراً عدداً من النساء في العراق، كتبت الدكتورة زهراء علي مقالة الإثنين الماضي في صحيفة “واشنطن بوست”، في عرض معمق للرأي العام الأمريكي، هو الثاني من نوعه في نحو عام حول ثقافة التمييز والتضييق التي تتعرض لها شقيقات الكاتبة والباحثة.

وتلفت د. زهراء علي، وهي أستاذة مساعدة في علم الاجتماع بجامعة روتجرز الأمريكية إلى ما شهدته الأسابيع الأخيرة من “اغتيال اثنتين من النساء العراقيات البارزات، المدافعة عن حقوق الإنسان “سعاد العلي في البصرة ونجمة وسائل الإعلام الاجتماعية تارا فارس في بغداد”. وكلاهما أطلق عليهما النار في الشارع وفي وضح النهار”.

 

ماذا يجعل القتل ممكناً؟

وبينما تثير تغطية هذه الفظائع قضايا مهمة، فإن التقارير الإخبارية المثيرة غالباً ما “تحوّل الانتباه عن الظروف المهمة التي جعلت عمليات القتل ممكنة في المقام الأول”، وهو الأمر الحيوي الذي انشغلت زهراء علي في بحثه ومناقشته بمقالتها لجهة قيم العنف التي تترسخ في المجتمع والبلاد يوماً بعد آخر

“أثار غزو الولايات المتحدة عام 2003 تفتيتًا عرقيًا طائفيا للبلاد ودورة من العنف، وخلق الظروف لظهور الجماعات المسلحة، بما في ذلك تنظيم (داعش). وقد أدت الحرب ضد تنظيم (داعش) في الموصل وأجزاء من شمال العراق إلى تفاقم ظاهرة عسكرة العراق عن طريق تسليح وتعزيز مختلف الجماعات السياسية والقوات شبه العسكرية والميليشيات”.

وعن الأخيرة تكتب الأكاديمية العراقية “العديد من الميليشيات المدعومة من إيران كانت مسلّحة ومؤسّسة من خلال حربها ضدّ (داعش) في الموصل. وترتبط هذه الجماعات المسلحة ارتباطًا وثيقًا بالنخبة السياسية الطائفية الفاسدة التي وصلت إلى السلطة بعد عام 2003”.

وترصد الكاتبة في مقالها كيف “تتغطى المليشيات في العراق بالديمقراطية”، موضحة “أصبح قادة القوات شبه العسكرية والميليشيات أعضاء مؤسسين في البرلمان ويشاركون في المفاوضات لتشكيل حكومة جديدة. كما إن بعض هؤلاء القادة أنفسهم متهمون بتحمل المسؤولية عن تهديد نشطاء المجتمع المدني واختطافهم وقتلهم، وكذلك انتهاكات حقوق الإنسان في الموصل وأماكن أخرى”.

وفي عرضها للضحايا من النساء تتوقف الأكاديمية العراقية عند الناشطة سعاد العلي رئيسة مؤسسة لحقوق الإنسان في البصرة، كانت قد  اشتركت في المظاهرات التي بدأت في تموز الماضي احتجاجاً على ارتفاع معدلات البطالة ونقص الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه النظيفة في المحافظة الغنية بالنفط، حيث “تم استهداف نشطاء حقوق الإنسان الآخرين والمحامين الذين دعموا الحركة، بمن فيهم المحامي جبار محمد كرم البهادلي، الذي قُتل في 23 يوليو / تموز بعد التماسه للإفراج عن المحتجين الذين تحتجزهم قوات الأمن العراقية”.

ويكشف موتهم، بحسب د. زهراء علي، “عن شدة القمع السياسي لحركة الاحتجاج هذه، حيث قمعت المظاهرات في البصرة باستخدام الدبابات والمركبات المدرعة الأخرى، مع حملة واسعة النطاق من عمليات المراقبة والاعتقال. وأطلقت قوات الأمن العراقية النار على المتظاهرين العزل، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن اثني عشر واعتقال المئات”.

 

النوع الاجتماعي والموت في العراق

قد يذكّر اغتيال تارا فارس (22 عاماً) بوفاة اثنين من العاملات العراقيات في مجال التجميل، رشا الحسن ورفيف الياسري، في آب/أغسطس، أو مصير الممثل كرار نوشي – المعروف باسم “براد بيت” العراقي. لشعره الأشقر الطويل – الذي تم اختطافه وتعذيبه وقتله في العاصمة بغداد تموز 2017. ومؤخراً، تعرّض حمودي المطيري، البالغ من العمر 15 عاماً، للطعن حتى الموت في بغداد، لأنه –على الأرجح- كان ينظر إليه على أنه مثلي الجنس.

وترصد الباحثة هذا الطيف من الجرائم في كتابها “المرأة والنوع الاجتماعي في العراق”، وفيه “أظهر كيف أن صعود القوى الاجتماعية والدينية المحافظة يعود إلى الأزمة الإنسانية الناجمة عن عقوبات الأمم المتحدة في التسعينيات. لقد غيرت العقوبات بشكل كبير النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي وخلقت أشكالاً جديدة من البطريركية التي تصاعدت بسبب الفقر الواسع الانتشار. لقد وضع الغزو والاحتلال بقيادة الولايات المتحدة في العراق مجموعات سياسية إسلامية محافظة وطائفية طبعت هذه المعايير المفرطة الأبوية وسيطرة اجتماعية مكثفة على قضايا النوع. كما أن عسكرة الشوارع العراقية مع رجال مسلحين عند نقاط التفتيش وانتشار المليشيات قد خلقت آليات جديدة للسيطرة الاجتماعية”.

هذه الأحداث المروعة ألقت الضوء على الديناميات التي تتخطى القيم المحافظة الاجتماعية والدينية المتفاقمة. في “حين تم تجاهل العنف الذي تمارسه الجماعات الإسلامية الشيعية إلى حد كبير، فإن السلطات العراقية تركز في المقام الأول على العنف الذي ترتكبه (داعش) (السنية) على أنه “التطرف الديني” و الإرهاب”، تقول زهراء علي.

 

تصفيات وحشية

أخيرا تتوقف الكاتبة عند ما بات مألوفاً في الحياة العراقية بعد 2003 “في عراق ما بعد الغزو، أصبحت عملية تصفية الحسابات الوحشية بين الجماعات المسلحة والقبلية جزءاً من الحياة اليومية. كما أن ضعف مؤسسات الدولة والتواطؤ بين أفراد النخبة العراقية مع زعماء القبائل وأعضاء الميليشيات يجعل أي تحقيق أو مقاضاة لهذه الجرائم، من دون جدوى”.

وتعتقد د. زهراء علي إن “الاغتيال الفاضح لشخصيات الإعلام والصحفيين ونشطاء المجتمع المدني يميز الفترة السياسية الحالية. وإن العملية السياسية بعد الانتخابات التي أشاد بها الكثيرون على أنها انتقال سلمي للسلطة، تخفي إضفاء الطابع المؤسسي على الميليشيات ومختلف المجموعات المسلحة المسؤولة في نهاية المطاف عن هذا العنف”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى