تقارير وتحقيقات

ثلث الدول العربية يحكمها كبار السن

لا عجب أن الكثير من العرب يشعرون أن قادتهم باتوا بعيدين عنهم، فالبنسبة للجزائريين، يبدو عبدالعزيز بوتفليقة وكأنه «قطة شرودنغر»، فهو حي وميت في نفس الوقت. (قطة شرودنغر»: مفهوم قدمه الفيزيائي النظري النمساوي، إروين شرودنغر، ليشرح من خلاله تصورا مختلفا عن تفسير كوبنهاغن في ميكانيكية الكم وتطبيقاتها اليومية- المترجمة)

ما بين الحين والآخر، يظهر الرئيس الجزائري (81 عاما)، الذي تعرض لجلطة دماغية واحدة على الاقل، جالسا على كرسي مدولب لمجرد الظهور فقط. وكمثال على ذلك، لقاءه رئيس الوزراء الروسي، ديمتري ميدفيديف، اواخر العام الماضي، وظهر الرئيس بوتفليقة عبر شريط مصور قصير للقاء وهو يحدق بعيدا بوجه يخلو من التعابير ودون اكتراث ويتمتم ببضع كلمات. أما خلف الكواليس، فهناك مجموعة من ضباط الجيش والمسؤولين الاقتصاديين تتولى إدارة البلاد

يعد بوتفليقة دلالة واضحة على الوضع السياسي المتداعي الذي تعيشه المنطقة، فعلى مستوى 18 بلدا واقليما، ثلثها، تقريبا، يحكمها كبار السن يعانون من حالة صحية متراجعة، ما يجعلهم على طرفي نقيض مع جيل الشباب فيها. فبينما يشكل سن الخامسة والعشرين متوسط العمر للعالم العربي، فإن سن 72 عاما هو متوسط عمر رؤسائه، الذين حتى في أفضل حالات صفاء الذهن، يبدون بعيدين كل البعد عن طموح وآمال شعوبهم، بعد أن بات هناك سؤال يدور بأذهانهم ولا يلقون له إجابة عن من سيخلف سنوات حكمهم الطويلة يوما ما.

أما الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، فرغم أن سنه 82 عاما، لكنه يبدو بهيئة أفضل من بقية القادة العرب، فهو بحالة جيدة لدرجة القيام برحلات أحيانا الى بروكسل أو الأمم المتحدة، لكن تبقى حالته الصحية متراجعة، فمنذ ثلاث سنوات، دارت إشاعة حول اصابته بجلطة دماغية، فسارع لنفيها عندما قام بزيارة لاحد مراكز التسوق وسط عاصفة ثلجية (برفقة كادر تصوير). ورغم غضب ناخبيه بسبب تفشي الفساد وظروف الاحتلال الذي لا نهاية له، يقضي عباس معظم وقته في عمان بعيدا عن كل ذلك، وبغياب بديل عنه، يخشى الكثيرون أن وفاته قد تنهي استقرار الاراضي الفلسطينية.

زعماء خليجيون

سلطنة عمان هي الاخرى ربما ستشهد مرحلة انتقالية أكثر عنفا، فزعيمها، السلطان قابوس، (77 عاما)، تكاد تكون مرات ظهوره أمام رعيته، كل عام، معدودة، ربما بسب اصابته بالسرطان منذ سنوات، فضلا عن حالة العزوبية التي يعيشها منذ سبعينيات القرن الماضي وعدم وجود وريث له، وقد دون اسم خلفه المختار من بعده وحفظه داخل مظروف مختوم بقصره

في ظل عائلة ملكية ممتدة، تشتد حالة المنافسة بين أفرادها، لكن بدلا من تصعيد الخلاف بين المتنافسين المحتملين، يشغل السلطان العليل منصب رئيس الوزراء ووزير الدفاع والمالية والخارجية، ويترك لنفسه ادارة البنك المركزي خلال أوقات فراغه.ليس ببعيد عن ذلك قادة دول خليجية أخرى، فأمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الصباح، بلغ سن 88 عاما ويتكلم قليلا في خطاباته، ويعيش الشيخ خليفة بن زايد، الحاكم الشكلي لدولة الامارات العربية المتحدة في عزلة منذ تعرضه لجلطة دماغية سنة 2014. أما الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، فهو الآخر يبدو في حالة تراجع واضحة، وتجلى ذلك بحرصه على جعل خطاباته مختصرة واقتصار ظهوره العلني الى حدود ضيقة جدا.

جينات جيدة

 الزعماء من كبار السن ليسوا بالامر الجديد على العالم العربي، حيث الملكية والديكتاتورية هي القاعدة والمعيار، بعض الدول، على الأقل، يتمتع قادتها، ممن أصابهم الخرف، بصلاحيات محدودة، أو انهم منحوها للطامحين بالسلطة الاصغر سنا، فدولة الكويت لديها برلمان منتخب ودستور ليبرالي، بينما السلطة الفعلية في كل من السعودية والامارات لا تزال في قبضة أولياء العهد والامراء الشباب ويمتلكون شعبية واسعة.

لكن، وبعد مضي سبع سنوات على اندلاع سلسلة من الثورات التي قادها الشباب، اصبح الملوك والرؤساء كبار السن أمرا أكثر شيوعا، حتى ان الديمقراطية الحقيقية الوحيدة في العالم العربي، انتخبت تسعينيا ليقود البلاد، ليصبح الرئيس التونسي، الباجي القائد السبسي (91 عاما) الرئيس العربي الاكبر سنا. يعلق صحفي لبناني مازحا، بقوله: «لديهم جينات جيدة»، حيث عمر الرئيس أكبر من عمر دولته. أو ربما هي مسألة وجود أطباء جيدين، ففي شباط المنصرم، أجرى عباس فحوصات بمستشفى بالتيمور، ويخضع قابوس لعلاج السرطان في ألمانيا، وغني عن القول، بأن هذه الخيارات غير متاحة للكثير من مواطنيهم

مترجم / صحيفة الصباح

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى