تأجير الأقارب في اليابان …

يمكن للاشخاص الذين يفتقرون الى الاقارب في اليابان تأجير زوج أو أم أو حفيد. ويمكن ان تكون العلاقة هنا أكثر حقيقية مما نعتقد.
قبل سنتين بدأ "كازوشيج نيشيدا" (بائع من طوكيو في عقده السادس) باستئجار زوجة وإبنة بدوام جزئي. كانت زوجته الحقيقية قد ماتت منذ وقت قصير، وقبلها بستة اشهر غادرت ابنته البيت إثر مشاجرة عائلية ولم تعد ثانية. يقول نيشيدا: "كنت اظن انني انسان قوي؛ ولكن عندما تعيش وحيدا تشعر بالاسى".
كان يذهب الى عمله يوميا في قسم المبيعات باحدى شركات التصنيع، وله أصدقاء يقضي معهم بعض الوقت بعد العمل؛ لكنه بقي يشعر بالوحدة. ثم تذكر اعلانا تلفازيا عن شركة تدعى "رومانسية الاسرة"، وهي واحدة من عدة وكالات تؤجر أقارب بدلاء في اليابان. ظهرت في الاعلان سيدة عجوز استأجرت حفيدا ذهب معها للتسوق؛ واستذكر نيشيدا فرحتها به؛ حتى وان كان مستأجرا.
اتصل نيشيدا بالشركة وقدم طلبا لاستئجار زوجة وابنة، ليتناولا معه الطعام. تضمن الطلب تسجيل عمر ابنته ووصف الزوجة المطلوبة: طولها خمسة اقدام وتميل للبدانة. كانت الكلفة 45 ألف ين (نحو 370 دولار). كان اللقاء الاول في احد المقاهي؛ ورأى نيشيدا أن الابنة أكثر "عصريا" نوعا ما من ابنته؛ لكن الزوجة بدت.. "امرأة عادية في منتصف العمر". سألت "الزوجة المستأجرة" نيشيدا عن الطريقة التي يريدهما أن يتصرفا بها؛ فشرح لهما كيف كانت زوجته المتوفاة تصفف شعرها وكيف تمزح ابنته معه. التزمت الممثلتان بوصفه؛ وامضوا امسية مريحة، حتى يخيل للناظر اليهم انهم اسرة حقيقية. تعددت لقاءات "الاسرة"؛ وقال نيشييدا انه لم يفتقدهن بعد رحيلهن؛ لكنه شعر أن من الجميل أن يقضوا اوقاتا اخرى معا.
يقول "يويتشي إيشي-Yūichi Ishii" مؤسس شركة "رومانسية الاسرة" أنه يعمل مع موظفيه جاهدين لتنظيم ستراتيجية تقود لنتائج ايجابية مع الزبائن؛ كما حصل مع مثل نيشيدا. ويطمح ان يكون الاقارب المستأجرون افرادا "اضافيين" في حياة الزبون؛ وصولا الى مجتمع.. "لا يحتاج فيه احد الى خدماتنا".
بدائل للغائبين
امتلك "إيشي" (الثلاثيني المولود في طوكيو) منذ صغره موهبة التفاعل والاقناع مع الناس؛ وعمل ممثلا ثم مساعدا في دار للمسنين. وكان موضع ارتياح النزلاء والعاملين لحسن تعامله مع المرضى؛ حتى بات مطلوبا بالاسم رغم تنقله في عدة دور. وهكذا لعب منذ البدء دور الحفيد المفضل لدى الجميع؛ شاعرا بالفخر لأنه يساعد الآخرين. هذا قاده للتفكير في مساعدة عدد اكبر من الناس لتغطية غياب الاقارب في حياتهم؛ فقرر افتتاح شركة متخصصة بهذا النوع من الخدمات. وبعد البحث وجد موقعا في الانترنت لوكالة تأجير الاقارب، افتتحه "رييتشي إيتشينوكاوا" سنة 2006، وهو بائع سابق في منتصف العمر، مع زوجته وابنيه. قبلها بخمس سنوات فزع إيتشينوكاوا لسماع خبر مقتل أطفال إثر هجوم على مدرسة في أوساكا، كان ثمانية منهم بنفس عمر إبنه. مثل تلك الحوادث نادرة في اليابان؛ ولم تكن المدارس مستعدة لتقديم الاستشارة النفسية لمثل تلك التبعات. انخرط إيتشينوكاوا في دورات للتدريب النفسي؛ آملا أن يصير مستشارا اجتماعيا في المدرسة، لكنه أسس في نهاية المطاف موقعا الكترونيا يقدم الاستشارات بالبريد الالكتروني. ومن هنا انطلق لتأسيس خدمات تأجير الاقارب، فقد بدا له أن الكثير من المشاكل تحدث بسبب غياب الاقارب؛ وأن الحل الأسهل لمعالجة الموقف يكون بايجاد بديل لهم.
تقدم "إيشي" للعمل في مؤسسة إيتشينوكاوا؛ لكن الدور الوحيد الذي انيط به كان دور ضيف حفلات الزفاف، لصغر سنه. تعتبر حفلات الزفاف حجر الزاوية لنجاح مؤسسات تأجير الاقارب؛ لأن التقاليد التي تحتم وجود عدد معين من الاقارب في الحفل لم تتغير، ولا تماشت مع المتغيرات الاجتماعية كالهجرة والسكن الحضري وتناقص عدد افراد العائلة وتضاؤل مقاييس الامن الوظيفي. لذا يلجأ العريس غالبا الى استئجار بدلاء ليصيروا زملاء العمل، بينما يستأجر الذين تنقلوا بين عدد من المدارس زملاء طفولة. وقد يستأجر العروسان بدلاء لوالديهم اذا كانوا منفصلين أو مسجونين أو مرضى نفسيا (رغبة بعدم ازعاج الطرف الآخر بمشاكل العائلة منذ بداية الارتباط). وقد لا يرغب أحد الاطراف بالاعتراف ان والديه متوفيان؛ لذا يستأجر بدلاء لهم.
ثقل حياة الآخرين
افتتح "إيشي" مؤسسته الخاصة سنة 2009، التي يعمل فيها نحو ثمانية موظفين بدوام كامل. ويحتفظ بقاعدة بيانات لنحو 1200 ممثلا مستقلا. توفر المناسبة المهمة الواحدة (مثل حفلات الزفاف) نحو سبعين بالمئة من دخل المؤسسة. وبالمقابل هناك العلاقات الشخصية التي قد تمتد لسنوات؛ مثل حالة "نيشيدا"، الذي لعب دور الزوج في مناسبات عامة نحو مئة مرة؛ ويوما ما كان جزءا من عشر عائلات في وقت واحد. وهو عمل شاق يصعب الاستمرار به؛ يقول عنه: "تحس أن ثقل حياة شخص ما يستقر على كتفيك بالكامل". ومنذ ذلك الحين اتبع سياسة لا تسمح لممثليه بلعب أكثر من خمسة أدوار في آن معا.
يعتبر التعلق بالبديل المستأجر من المخاطر المهنية في هذا العمل؛ ويقول ايشي أن نحو 30-40 بالمئة من النساء في علاقة الزوج البديل يتقدمن للمقابل بعرض زواج، بينما تقل تلك النسبة لدى الزبائن الرجال. عموما لا يسمح بزيارة الممثلين للزبائن في دورهم لأسباب تتعلق بالسلامة؛ ولا يسمح بتفاعل شخصي يفوق المصافحة الاعتيادية. تمثل بعض النساء دور الام بدلا عن ام بدينة، وهناك الكثير من القصص المتنوعة في هذا العمل.. إذ استأجر شاب ممثلا ليقوم بدور والده ويخطب له عروسا، بينما قد تستأجر شابة عريسا وتقيم حفلة عرس فعلية (زائفة) تدعو اليها اصدقاءه وزملاء ورؤساء العمل؛ لكي تجاري زميلاتها المتزوجات. تتكلف حفلة العرس الزائفة نحو خمسة ملايين ين (47 الف دولار)، وتحتاج كل التجهيزات والاستعدادات التي تتطلبها أي حفلة حقيقية. ويكون جميع الحاضرين فيها (ما عدا العروس واسرتها واقاربها) من الممثلين. واخيرا؛ هناك من يستأجر شخصا "للتقريع".. ليس لتقريع شخص ثالث (كما قد يكون الاعتقاد)؛ بل لتقريع الشخص نفسه الذي ارتكب خطأ ما يستحق عليه اللوم، ويحتاج مساعدة "للتكفير عنه"!
أليف باتومان – ترجمة: مي اسماعيل
مجلة صحيفة نيويوركر الاميركية



