المرأة والمجتمع المدني

تأبين الناشطة المدنية الاميركية الراحلة جانيت بنشوف

تأبين الناشطة المدنية الاميركية الراحلة جانيت بنشوف، التي مدت يد المساعدة للعديد من منظمات المجتمع المدني وساهمت بتدريب العديد من الناشطات والقضاة في المحكمة الجنائية العليا.

الناشطة هناء ادور رئيسة جمعية الامل العراقية كتبت رسالة رثاء لعائلتها وفاء وعرفانا لدور الراحلة.

نص الرسالة :

عزيزي ألفرد وعزيزاتي في المركز الدولي للعدالة

هلو جانيت! افتقدك!

تعيدني الذكريات إلى لقائنا الأول في بغداد في آذار 2006، ألتقيت جانيت بنشوف ومعها العزيزتين بسمة فخري وكارولين البصري عن التحالف النسوي من أجل عراق ديمقراطي، وخلال سويعات شعرت بالألفة معهن.

وعلى طريقتها الحماسية المعهودة، بدأت جانيت بالحديث عن مهمة تدريب النساء الناشطات والقضاة في المحكمة الجنائية العليا المختصة بمحاكمة صدام حسين والمسؤولين معه عن الجرائم القائمة على أساس النوع الاجتماعي. كان تحدياً ليس سهلاً يواجهنا كحركة نسوية في إدماج سيداو وقرار 1325 في الأحكام التي تصدرها المحكمة، لاسيما بقضايا الاغتصاب وجرائم الشرف التي لايزال القانون الجنائي العراقي يكرس العنف والتمييز ضد النساء.

حققت التجربة الأولى مع القضاة كسراً لحاجز الجليد، كما تفاعلت الناشطات بشكل كبير مع التدريب الأولي. وقهقهت جانيت بصوت عالي معبرة عن فرحتها: الآن بدأ العمل الحقيقي!

 وتواصلنا من أجل تنفيذ برنامج التدريب، حيث عقدنا اجتماعاً تشاورياً في لندن في حزيران 2006 للتباحث حول حقوق المرأة والمحكمة  الجنائية العليا، واتفقنا على جملة من النشاطات تستهدف الدفع بمساءلة قيادة النظام السابق عن جرائم الحرب المرتكبة ضد النساء العراقيات كي لا تغيّب، وكذلك العمل على فسح المجال للقاضيات في المحكمة المختصة وفي المحاكم الأخرى بشكل عام.

ثابرت جانيت بديناميكية في التحرك في إطار المركز الدولي للعدالة لتحقيق البرنامج المتفق عليه، فكتبت مذكرة بهذا الشأن إلى المحكمة الجنائية العليا، كما عملت على كسب التأييد الدولي لدعم برنامج تدريب قضاتها. وتحقق ما سعت إليه بعقد مؤتمر لمدة ثلاثة أيام في البحرالميت في الأردن في أواسط تشرين الثاني 2006 حضره عشرون شخصية من ضمنهم أعضاء في المحكمة العليا ومن المؤسسات الحكومية وناشطات نسويات.

تناول المؤتمر موضوعاً بالغ الأهمية للمرأة في العراق: العنف الجنسي، كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وأداة للإبادة الجماعية، وتأثيره الشديد على الضحايا. وقد جرى تناول ذلك في سياق القانون الدولي، ودوره في المحكمة العليا العراقية. وفعلاً تضمنت بعدئذٍ لوائح اتهام المدعين العامين في المحكمة ارتكاب الاغتصاب، واعتبار الاغتصاب تعذيباً للضحية، وهو ما يشكل خطوة هامة نحو انهاء الافلات من العقاب على جرائم العنف الجنسي التي ارتكبت في ظل نظام صدام حسين.   

وكانت حريصة على التعاون معنا كمنظمات مجتمع مدني ومشاركتنا على النطاق الدولي في فعاليات شتى، متطوعة في تقديم خبرتها القانونية لنا. كانت مؤمنة بدور منظمات المجتمع المدني بالتأثير والتغيير على مستوى المجتمعات المحلية والسياسات الحكومية وأيضاً على المستوى الدولي لتحقيق العدالة المستدامة والسلام والأمن. كانت تهتم بمتابعة نشاطنا وتطورات الوضع في العراق، وكنا نتواصل من خلال الرسائل واللقاءات المباشرة في لندن وبيروت ونيويورك ونخوض في نقاشات جادة ومقترحات لعمل مشترك.

وهنا لابد أن أشير إلى مثال أخر في انغمارها في حملة المدافعة بحماس وصدق لا متناهي في قضايا النساء والفتيات الإيزيديات اللاتي تم استهدافهن في 2014 بطريقة متعمدة واستراتيجية من قبل داعش، بناءا على أسس ايديولوجية، وتعرضن للأغتصاب، والاستعباد، والقتل، والتعذيب.

في رسالتها الموجهة إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية السيدة فاتو بنسودا، في 15 كانون الأول 2015، طالبتها بـ "فتح التحقيق التمهيدي الذي سيخدم في الواقع مصالح العدالة ويعززها، وسيبعث برسالة ضمنية تؤكد على ان الجرائم الوحشية هي من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ولا يمكن أن ترتكب مع الأفلات مع العقاب". وأرفقت مع الرسالة تحليلاً حقوقياً قام به المركز الدولي للعدالة الذي ترأسه للمعلومات المتاحة المنشورة حول الجرائم المرتكبة ضد النساء والفتيات الايزيديات والمنصوص عليها في قانون روما، كأنواع مختلفة من الجرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة (جرائم الحرب، جرائم ضد الأنسانية، والأبادة الجماعية).

ثابرت جانيت في العمل على الضغط على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لمساءلة عناصر داعش عن جرائمهم القائمة على أساس النوع الاجتماعي. وبادرت مباشرة بعد صدور قرار مجلس الأمن المرقم 2379 في 21 أيلول 2017 بشأن مساءلة عناصر داعش بالتداول معنا ومع منظمات مجتمع مدني أخرى، وقدمت جانيت الرسالة الموقعة من قبل ست منظمات عراقية ودولية إلى مجلس الأمن والحكومة العراقية مؤرخة في 30 تشرين الأول 2017، تتضمن قائمة توصيات محددة ينبغي أن تنعكس في شروط الاختصاصات (ToR) الخاصة بعمل فريق التحقيق الدولي، الذي سيتشكل بموجب القرار المذكور، بهدف ايجاد التزام بأعلى معايير القانون الدولي وضمان الشمول والمساءلة، بما في ذلك من خلال العدالة الجنسانية والنهج الذي يركز على الضحايا. أعتقد كان ذلك أخر نشاطاتها الرائدة التي تسجل التزامها التام لقضايا العدالة.

أوه جانيت! كم هي عذبة ذكرياتنا المشتركة في بيتك الجديد في أواسط شهر أيلول 2015، ثم في مطلع العام 2017، وأنتِ وألفرد ترحبان بي وتخبريني أنني سأكون أول من يدشن غرفة الضيوف! أحاديث شتى نتبادلها عن تطورات الوضع في العراق وعن العهد الجديد في رئاسة ترامب، وكلارا الصغيرة تدور حوالينا تموء بصوت خفيض تطلب مداعبتها.

أوه جانيت! عرفتك دوماً تسعين إلى خلق جو من الفرح والبهجة من حواليك. ستظل في ذاكرتي مسارح برودواي مرتبطة بك. كانت من أجمل الأوقات التي قضيتها بصحبتك ومع ألفرد في مشاهدة العروض المسرحية الغنائية الجميلة: Chicago, Amazing grace and Kinky Boots

لا أقول وداعاً! ستظل ذكراك حيّة معي ومع العديد من صديقاتك العراقيات، ومنا جميعاً في جمعية الأمل العراقية وفي شبكة النساء العراقيات، وسنواصل العمل المشترك مع زميلاتك في المركز الدولي للعدالة لتحقيق شعارك الشهير: " سلطة لا شفقة"!

لترقد روحك بسلام ياعزيزتنا جانيت!   

  هـنـاء أدور

   رئيسة جمعية الأمل العراقية

  بغداد في 20/1/2018

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى