تقارير وتحقيقات

عن أنثى الوشق وإطعام السكان في العالم العربي

خالد سليمان _ العراق

أنثى الوشق وحيدة

يعد الأرنب الأمريكي الوجبة الرئيسية والمفضلة لحيوان الوشق في شمال أمريكا، من دونه يتغذى هذا الحيوان وهو من عائلة القطط البرّية والثدييات اللاحمة، على الفئران، السناجب، طيور الخشب والطهيوج أو الدرّاج والجيف.

وبما ان هذه المصادر لا تلبي احتياجات الوشق الغذائية دائماً، لا يستطيع بعض أفراد عائلته الاحتفاظ باحتياطي الدهون في أجسامهم، الأمر يعرضهم للجوع والهشاشة. تالياً، في ظل ندرة الأرانب، ينخفض عدد الوشق أيضاً، ذاك إن قلة مخزون الدهون في جسمه تصعب عليه البقاء على قيد الحياة جراء نقص الطعام ودرجات الحرارة المنخفضة في الشمال الأمريكي.

كما يغير نقص الغذاء سلوكياته، بما في ذلك زيادة التشرد وفقدان الحذر، مما يجعله عرضة للحيوانات المفترسة الأخرى.

تظهر تداعيات سوء التغذية على الحياة الاجتماعية للوشق، بما فيها التزاوج ومستويات التكاثر. فعندما تكون الانثى في حالة صحية سيئة جراء سوء التغذية، تتجنب الاتصال بالذكور والتزاوج معهم، كي لا تلد صغاراً بينما هي تعاني من نقص الغذاء.

تترك الذكور في عزلتهم بين الغابات ولا تقترب منهم، وقد تستمر في تجنب الاتصال الجنسي بالذكور الى حين وفرة أعداد الأرانب. أما الأمهات اللواتي يلدن، فيكون عدد صغارهن محدود وقد يموت معظمهم، إن لم يمت جميعهم بعد فترة وجيزة من الولادة.

اختصاراً، لا يبلغ سوى عدد قليل من الحيوانات اليافعة سن الرشد بسبب الجوع وقلة الغذاء. وتشير بيانات إدارة الأقاليم الشمالية الغربية في كندا الى أن عدد اليافعين والشباب في مجتمع حيوان الوشق قد يلامس الصفر عندما يكون عدد السكان منخفضاً، وذلك ارتباطاً بانخفاض عدد الأرانب.

السلاسل الغذائية الخلّاقة

انه شكل خلّاق من أشكال تنظيم التسلسل الغذائي في الأنظمة البيئية، ترتبط فيه الدورات السكانية لكلا الحيوانين ارتباطاً وثيقاً.

ففي ظل وفرة أعداد الأرنب الأمريكي، المسمى بالقواع المتغير أيضاً، لا تأكل الوشق الأم أي شيء آخر تقريباً وتصطاد حوالي أرنبين كل ثلاثة أيام، بينما تكتفي بما تحصل عليه من مصادر الغذاء الأخرى في حال الندرة.

وتتجنب انثى الوشق بذلك إنجاب أفراد جدد، كي لا تعرّض حياتهم لمخاطر الجوع. علماً انها تتحمل كامل مسؤوليات تربية الصغار منذ الولادة الى سن الرشد ولا يشاركها الذكور في ذلك بشيء.

ويتميز الوشق بقدرة عالية على الاختفاء، معزول بعض الشيء ولا نجده كثيراً يتجول في موائل عيشه، وينشط في الليل بغية الحصول على الغذاء.

يعد امتناع انثى الوشق عن الانجاب في ظل تناقص مصادر الغذاء، سلوكاً استباقياً غريزياً لمواجهة ندرة الغذاء، وآلية فسيولوجية تضمن التباعد الأمثل لتجنب الحمل.

انه درس لا يختلف كثيراً عن أنماط عيش المجتمعات القديمة وسبل بقاءها وحصولها على مصادر الغذاء عبر آليات طبيعية وفطرية لتحديد الانجاب منذ ظهور الإنسان العاقل HOMO SAPIENS، انما دون التباعد الجنسي بين الذكور والإناث.

كان البلوغ يبدأ متأخراً في مجتمعات الرُحّل والصيد القديمة، والحمل يكون طويلاً وتستمر الرضاعة لعدة سنوات، مما كان يحد من التكاثر السريع. وكانت الرضاعة تشكل الطريقة الطبيعية في تحديد النسل، حيث ترضع النساء أطفالهن لفترة طويلة ويتم بذلك إيقاف الإباضة والحيض لمدة سنتين إلى ثلاث سنوات بعد الولادة.

أفلاطون وسقراط: تنظيم الولادة

رغم ان الطرق الحديثة حلت محل وسائل تحديد النسل التي كانت توفرها الرضاعة وتسمح بدرجة من التحكم في التكاثر، إلا ان البشرية ومنذ الثورة الصناعية تحديداً، ازدادت بوتيرة سريعة وفاقت التصورات بخصوص المسألة السكانية.

وحصل هذا التكاثر السريع بعد تطور الطب البشري وتراجع نسبة الوفيات جراء ارتفاع مستوى المعيشة. كانت تُقّدَر أعداد البشر بـ (200) مليون بأربعة قرون قبل الميلاد، بينما تجاوز حاجز 5 مليار في منتصف ثمانينات القرن العشرين، وتشير بيانات تعود الى الأمم المتحدة الى ان سكان الأرض يبلغ 9.7 مليار بحلول عام 2050.

تعد المسألة السكانية بالنسبة للمؤرخ الفرنسي جورج مينوا، ثقافية أكثر مما هي مسألة أرقام، وذلك بالعودة الى خطاب يعود الى قبل الميلاد أوصى فيه كل من أفلاطون وأرسطو الدولة بأن تُنظم معدل المواليد بدقة، وذلك خوفاً من الزيادة السكانية في المدينة ما أدى الى كسر توازن كان يعتبر مثالياً بحسب تحليل جورج مينوا للخطاب.

ويعد توماس مالتوس (1766-1834) بعد أفلاطون وأرسطو، أول من فند معاصريه من فلاسفة عصر التنوير حيال الإيمان بالتقدم ومستقبل البشرية حيث حدد في مؤلفه (نظرية السكان) بإن نمو السكان أسرع من نمو الموارد الطبيعية، لذا من الضروري الحد من الولادات من أجل تجنب المجاعات برأيه. وكان التقدم التكنولوجي، لا سيما في المجال الزراعي وتوفير الغذاء ،كفيلاً بالتقليل من مصداقية نظرية مالتوس بين الأوساط الفكرية والعلمية.

وقد ذهب عالم الأحياء الشهير تشارلز داروين الى المنحى ذاته حيث كتب في كتاب (أصل الأنواع) التي صدرت طبعته الانكليزية الأولى عام 1859: “حتى ان الإنسان بتكاثره البطيء قد تضاعف عدده خلال ربع قرن، وبهذا المعدل، لن يتبقى من الأرض ما يتّسع لوقوف خَلَفه فوقها، في أقل من ألف عام”.

عجلة السكان في العالم العربي

ان هذه الرؤية الداروينية للتكاثر، وبعد مرور قرن كامل عليها، بدت واضحة المعالم في العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين. ففيما كان يُقدّر مجموع السكان في الدول العربية في منتصف القرن بحوالي 76 مليون نسمة، تجاوز 144 مليون نسمة عام 1975، أي زيادة العدد الى الضعف خلال ربع قرن تقريباً. وقد ارتفع معدّل الزيادة إلى (2.7%) في الربع الأخير من القرن العشرين ووصل الى 284 مليون بحلول عام 2000، ويقارب اليوم 450 مليون نسمة.

وعلى رغم ان هذا النمو السُّكَّاني المرتفع نتج عن انخفاض معدل الوفيات، تطور الطب البشري وتطور التكنولوجيا الزراعية، إلا ان الأمر الى جانب التدهور البيئي الملحوظ، مصحوب بتراجع مستوى التعليم وفرص العمل والأمن الغذائي في البلدان العربية الأكثر انجاباً مثل: الصومال، السودان، الأردن، موريتانيا، اليمن، فلسطين، العراق، مصر، عمان وجزر القمر.

في العراق على سبيل المثال، تعود أسباب التكاثر السكاني السريع الى تزويج الفتيات المبكر للتخلص من العوز والفقر، عدا عن هيمنة الدين، القيم العشائرية-القبلية، الرغبة القوية في الإنجاب وسطوة صورة الأسرة الكبيرة على الأسرة الصغيرة المكونة من أربعة أشخاص أو أقل. إنما تُضاف الى كل ذلك مسألة الحاجة الجنسية التي يتم تغييبها غالباً في البحوث المتعلقة بالنمو الديمغرافي في العالم العربي. وعلى رغم من ان هذه الأخيرة تُعد حساسة وتمس الحياة الخاصة، الا انها تصب في قلب المسألة السكانية، ذلك ان الزواج المبكر في المدن والمناطق المحافظة دينياً واجتماعياً، يرتبط غالباً بالحاجة الجنسية التي تُسرّع بدورها العجلة السكانية. ولا تقتصر سرعة النمو السكاني على الأطراف والمناطق الريفية، بل تشمل حتى العاصمة بغداد.

الجنس والاكتظاظ السكاني.. العراق نموذجاً

يعيش في مدينة الصدر، وهي من مناطق العاصمة الأكثر اكتظاظاً سكانياً، ما يقرب ثلاثة ملايين شخص على مساحة (30 كم2). وتعيش أكثر من أسرة واحدة في بيت واحد جراء الفقر وعدم توفر السكن.

تعاني المدينة جراء الازدحام البشري من شح المياه الصالحة للشرب والبطالة والفقر وتهالك البنى التحتية، وتُعد منطقة الصدر رغم كل ذلك، من الكتل السكانية التي تشهد نشاطاً مفرطاً في الزواج والتكاثر.

تشير دراسة أجرتها منظمتي جمعية نساء بغداد و MercyCorps الى ان 10٪ من الأزواج قد تزوجوا قبل بلوغهم السن القانوني والبالغ 18 سنة، كما تشير الدراسة ذاتها الى سطوة الزواج التعددي بنسبة 20٪ في المدينة.

وان نم الزواج المبكر والزواج التعددي خارج المحاكم عن شيء، انما ينم عن نشاط في أحد المجالات الأكثر خصوصية بين الأفراد، وهو النشاط الجنسي المصحوب بغياب الضمان الاجتماعي بما فيه السكن والغذاء والتعليم.

وهو واحد من أسباب ازدياد عدد سكان العراق مليوناً كل عام، وقد سجل العراق لعام 2020 فقط، (1) مليوناً و (258) ألفاً و(28) ولادة حية، وذلك بحسب بيانات وزارة التخطيط العراقية؛ ويتوقع ان يصل عدد السكان الى 80 مليوناً بحلول عام 2050. ويحصل هذا التكاثر السريع في وقت، خسر العراق فيه أكثر من نصف أراضيه الزراعية جراء التصحر، فضلاً عن النقص الحاد في مصادر مياهه.

ويضاف الى ذلك الزحف العمراني الهائل على حساب الأنظمة البيئية، الأمر الذي تسبب في تجريف العديد من بساتين النخيل جنوباً والقضاء على الغابات الطبيعية في الشمال الغربي واقليم كُردستان.

ففي الموصل وحدها بلغ العجز السكاني إلى 200 الف وحدة سكنية هذا العام (2022) بينما كان العجز 20 ألف وحدة سكنية في عام ٢٠١٢. وتقتضي هذا السرعة الهائلة بحسب مديرية التخطيط العمراني في الموصل توسيع المدينة 7 كيلومتر دائرياً على حساب الأراضي الزراعية.

يذكر ان سهل نينوى، مركزه الموصل، كان يُعد في السابق سلة خبز للسكان.

شبح أزمة الغذاء

عالمياً، ساد شبح الاكتظاظ السكاني على العالم اثناء انخفاض مخزونات الغذاء العالمية والتدهور المتسارع للأنظمة البيئية عام 2008، انما لم يتأثر التكاثر بذلك، ومرّ الشبح كعابر سبيل قبل ان يطويه النسيان بعدما تدخلت الدول للجم الأزمة واجراء تحسينات جزئية في سلاسل التوريد الغذائية. وتشير بيانات عالمية منذ ذلك الحين الى ان الزيادة السكانية تبلغ 80 مليون في العالم كل عام – مليون منها في العراق فقط -، الأمر الذي يثقل كاهل الأرض والموارد الطبيعية. وتختلف آثار الازدحام السكاني باختلاف المناطق والأقاليم، بما فيها المصادر والوفرة الداخلية، ذلك ان الاعتماد على استيراد الغذاء من خارج حدود الأوطان، أصبح رهينة آثار تغير المناخ حتى على الدول الأكثر انتاجاً للغذاء؛ الحبوب واللحوم تحديداً.

وتعتبر المنطقة العربية التي يشكل سكانها (5.5%) من إجمالي سكان العالم ويشهد نمواً سريعاً الى يومنا هذا، من المناطق الأكثر هشاشة أمام تغير المناخ، ذلك ان غالبية أراضيها قاحلة أو شبه قاحلة، ما يعوق اطعام السكان. رغم ذلك لا يُنظَر الى المسألة السكانية الى اليوم من منظار التكافؤ بين الموارد المتوفرة وبين أعداد البشر، في حين ان الشبح عاد بقوة هذه المرة جراء آثار تغير المناخ، الغزو الروسي لأوكرانيا والإدارة السيئة للموارد الطبيعية، علاوة على الحروب الداخلية وتهديدات الإرهاب.

قصارى القول، يقتضي قطار التكاثر في العالم العربي في ظل تغير المناخ وندرة الموارد، تغيير راديكالي ليس في إدارة الموارد والتأقلم مع المتغيرات فحسب، بل في مجمل النشاط البشري بما فيه نشاط الانجاب.

وقد يبدو أمر تقليد حيوان الوشق مستحيلاً من ناحية التباعد، بخاصة ان الجنس عند الإنسان لا يرتبط بالإنجاب فقط، انما التغيير ممكن من خلال الصحة الإنجابية ووضع حد للتزويج المُبكر والزواج التعددي ورفع مستوى التعليم، ناهيك بضمان حرية المرأة في اتخاذ القرار. دون ذلك نفقد الحذر بشأن الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى