المرأة والمجتمع المدنيتقارير وتحقيقات

“لا تدع الجنود الآخرين يشاهدون”.. الاغتصاب كسلاح في معظم الحروب

19 ديسمبر 2023

من السودان ؛ بدأ الأمر كقطرة، لكن الهمسات حول الاغتصاب سرعان ما أصبحت فيضانا. وانتشر الخوف في جميع أنحاء السودان منذ بدء القتال العنيف منذ 15 أبريل/نيسان.

في تقرير طويل نشره “موقع الجزيرة الإنجليزية”، نقل نيلز أدلر وداليا عبد المنعم قصصا مروّعة عن الاغتصاب الذي رافق الحرب في السودان.

فمن جهة، هناك مليشيات من قوات الدعم السريع، وهي قوات شبه عسكرية لها تاريخ عنيف للغاية حصلت على السلطة في العقود القليلة الماضية. ومن جهة أخرى توجد القوات المسلحة السودانية، المتحالفة سابقا مع قوات الدعم السريع ولكنها الآن تخوض معركة وجودية معها.

والمحاصرون بينهما ملايين من السودانيين، وعلى وجه الخصوص، النساء. وتحاصر الناجيات من العنف الجنسي وأسرهن بأكثر من طريقة، بين الصدمة النفسية والبنية التحتية المدمرة.

ولدى قوات الدعم السريع قوات في الأحياء الحضرية، وظلت تسيطر على المزيد من المناطق، مما أدى إلى فرار السكان.

ووفقا لمحمد صلاح، أحد أعضاء مجموعة “محامي الطوارئ” -وهي مجموعة اعتادت تقديم مساعدة قانونية مجانا للنشطاء والمتظاهرين وتوثيق الانتهاكات وتنسيق المساعدة للضحايا- لا يزال هناك بعض الناس في منازلهم لأنهم لا يريدون أو لا يستطيعون المغادرة.

كم يكفي من الصدمة؟
مثل العديد من سكان العاصمة الخرطوم، بقيت المهندسة حسنى في حيها بالخرطوم بحري، شمال العاصمة الخرطوم، حتى أصبح الأمر خطيرا للغاية. وفي اليوم الذي حاولت فيه المغادرة، انتقل مقاتلو قوات الدعم السريع إلى الحي. مع العلم -من أجل حمايتهن- أن الأسماء الواردة في هذا التقرير عن ضحايا الاغتصاب ليست حقيقية.

تقول حسنى “كنت متزوجة منذ بضعة أشهر فقط عندما اندلعت الحرب”. وكان معظم أفراد عائلتها قد فروا بالفعل من الخرطوم، لكن زوج حسنى كان في أم درمان، لذلك بقيت في انتظاره.

وأوضحت أن شبابا كانوا يرتدون زي المدنيين وصلوا إلى الحي، لكنها خمنت أنهم تابعون للدعم السريع من الطريقة التي يتحدثون ويتصرفون بها.

وتضيف حسنى “قبضوا على بعض الفتيات من جنوب السودان كن يعشن في مبنى آخر لكن قائد القوات أبقاني منفصلة عنهن. ظل يناديني بالأخت “أنتِ أختي، أنت فتاة عربية، أنتِ بأمان”. ولكن بعد ذلك انقلب تماما وبدأ يصيح في وجهي “كاذبة”، ويقول إنني لست من المنطقة، وحذر الجنود الآخرين من الاقتراب مني، قائلا إنني واحدة منهم”.

أخذ الجنود حسنى والنساء الأخريات إلى مبنى آخر، حيث كانت تعيش أخت حسنى. وتم توجيه نساء جنوب السودان إلى شقة واحدة. وأمر قائد فريق الدعم السريع حسنى بإبلاغه بمكان سكن شقيقتها.

أين غرفة النوم؟
ثم قال “لدي طلب واحد. إذا قلتِ نعم، عظيم؛ وإذا لم تقولي، فهذه ليست مشكلة أيضا”. ثم وجه بندقيته إلى حُسنى. “أريد أن أنام معكِ. أين غرفة النوم التي يمكن أن أنام معك فيها”.

وتوسلت حسنى إليه أن يتركها تذهب. “ألم تقل إنني أختك؟ هل تفعل ذلك لأختك؟”.

ثم جاء جندي إلى الشقة وقال إن فتيات جنوب السودان يصرخن جميعا ولا يعرفن ماذا يفعلن. وقال الزعيم “اخرسهن واخرج. لا أحد يأتي إلى هنا”.

عرفت حسنى بعد ذلك أنها على الأقل لن تتعرض للاغتصاب الجماعي، وأنه فقط كان ينوي اغتصابها. “بدأت أتضرع إلى الله. كانت مسبحتي معي وظللت أدعو وأتضرع”.

وبمجرد مغادرة جنود قوات الدعم السريع، هربت حسنى إلى منزل صديقة كانت تعيش في مكان قريب.

وقالت “لم أستطع التوقف عن البكاء. أخبرتها بما حدث وسرعان ما أخذتني إلى الحمام، وحممتني بالماء المالح، ولفت ملابسي المتسخة في كيس بلاستيكي، وأعطتني بانادول، ثم حممتني مرة أخرى. وساعدتني صديقة أخرى في الحصول على مجموعة أدوات للتعامل مع الاغتصاب”. وفي الصباح التالي، ساعدتها وحدة مكافحة العنف ضد المرأة التابعة للحكومة السودانية في الحصول على حبوب منع الحمل.

“كان زوجي متماسكا كالصخرة”
تقول حسنى “ظللتُ أعيد كل شيء في رأسي. لا أستطيع البقاء وحدي. أنا دائما بحاجة إلى شخص معي فقط لأشعر أنني بخير، لأشعر أنني بأمان. زوجي كان متماسكا كالصخرة. قلت له كل شيء… استغرق الأمر منه أسبوعا حتى تمكن من الوصول إليّ عبر الهاتف بسبب صعوبات الاتصال. يعزيني، ويقول لي: أنتِ لم ترتكبي خطأ، ليس ذنبك، سوف تخرجين أقوى، سنخرج أقوى”.

كانت أولى أخبار الاغتصاب تهمس باغتصاب أجنبيات. كان الناس يقولون لبعضهم البعض إن أجنبية تعرضت للاغتصاب في شقتها في حي راق.

انتشرت قصص عن دخول مقاتلي قوات الدعم السريع إلى منزل، وعن استهدافهم الإثيوبيات بدون السودانيات.

وسرعان ما تخلى الناس عن هذا التمييز الغريب وبدؤوا يتناقلون روايات اغتصاب السودانيات. واتفق العديد من النشطاء على أن عدد الحالات المبلغ عنها هو على الأرجح “قمة جبل جليدي كبير جدا”.

العنف الجنسي كسلاح حرب
قالت “ز”، الباحثة في منظمة حقوق الإنسان بالسودان التي تساعد ضحايا الاغتصاب، وطلبت عدم الكشف عن هويتها، إن إحدى الضحايا في حي الحاج يوسف شرق النيل (الخرطوم بحري)، سمعت صرخات النساء والفتيات في مبناها يتعرضن للاغتصاب بينما كانت قوات الدعم السريع تشق طريقها إلى الطابق العلوي.

وكانت أم عازبة مطلقة (30 عاما)، تعيش مع أطفالها. سمعت في الطابق الثالث الشابتين اللتين تعيشان في الطابق السفلي مع أسرتهما تصرخان “لا تلمسنا!”.

وأغلقت شقتها، على أمل أن يعتقدوا أنها فارغة. لكن المقاتلين انقسموا إلى مجموعات أصغر، حيث تولت كل مجموعة طابقا، ودخلوا منزلها. حاولت قفل باب غرفة نومها، لكنهم كسروه وبدأت تتوسل إليهم ألا يغتصبوها.

تجنب الاغتصاب الجماعي
وعندما أصبح من الواضح أنها لن تنجو، توسلت لأحد مقاتلي الدعم السريع “إذا كنت ستغتصبني، فأغلق الباب، ولا تدع الجنود الآخرين يشاهدون”. كانت تحاول تجنب التعرض للاغتصاب الجماعي.

وكانت هذه هي التفاصيل الوحيدة التي كانت على استعداد للكشف عنها. حدث ذلك في الأسبوع الأول من الصراع، لكن لا يُعرف متى بالضبط، فقد رفضت الإفصاح عن ذلك.

ويقول “صلاح”، وهو من محامي الطوارئ، إن معظم حالات الاغتصاب والعنف الجنسي ارتكبتها قوات الدعم السريع، “باستخدام أسلحتها للترهيب، ودائما بشكل جماعي”. ويستشهد بفيديو تلقته مجموعته لجنود يطلقون النار في الهواء، وبعضهم يقف حارسا بينما يغتصب آخرون النساء.

ومع ذلك، كانت هناك أيضا تقارير أقل عن حالات اغتصاب من قبل القوات المسلحة السودانية. وتقول “ز” “يُستخدم الاغتصاب كسلاح من قبل الجانبين. التقارير التي نحصل عليها الآن ليست سوى غيض من فيض، لقد اغتصب جنود الجيش أيضا، وليس فقط قوات الدعم السريع، خاصة القوات التي تم جلبها مؤخرا من منطقة الدمازين عاصمة ولاية النيل الأزرق إلى أم درمان وهي قوات تابعة لمالك عقار نائب رئيس مجلس السيادة الحالي”.

جسد الكنداكة ساحة معركة
يشار إلى النساء السودانيات باسم كنداكة، وهو اسم لملكة عظيمة من ملكات مملكة “كوش” الشهيرة قبل الميلاد شمال السودان. وعندما انضمت السودانيات للاحتجاجات ضد نظام الرئيس السابق عمر البشير وفي الخطوط الأمامية عام 2018، أدت ضراوتهن إلى تبجيلهن بإطلاق لقب كنداكات عليهن.

وتقول “ز” إن أجساد النساء “أصبحت جزءا من ساحة المعركة”، مضيفة أن “وصمة العار الاجتماعية تمنع العديد من الضحايا من الوصول إلى المساعدة. أنت تتعامل مع مجتمع مسلم محافظ، حيث تكون أجساد النساء رمزا للشرف والنقاء… الرمزية معقدة للغاية”.

ويقول محمد أبو بكر، وهو طبيب ومؤسس “جمعية ملء القلب الخيرية” هذه إستراتيجية استخدمتها قوات الدعم السريع منذ تأسيسها، لكسر إرادة الشعب وإجباره على القبول بها، الأمر الذي أخفقت في تحقيقه بحربها مع القوات المسلحة السودانية.

وتقول هبة شريف، قائدة فريق العمل العالمي في برنامج أزمة السودان، إن الاغتصاب “هو ببساطة ما تعلم مقاتلو الدعم السريع أن يقوموا به”.

التوثيق والوصمة والصدمة
تقول مآب صلاح لبيب، وهي طبيبة نفسية تتطوع مع منظمات محلية ودولية تقدم المساعدة النفسية عبر الإنترنت والهاتف أو مكالمات الفيديو، إن مجموعتها تلقت حالات اغتصاب من بحري وأم درمان بدءا من الأيام الأربعة من الحرب، “وقعت العديد من حالات الاغتصاب أمام عائلات الفتيات… وكذلك حالات اغتصاب الأطفال/القصر. هناك الكثير من الحالات، الكثير…”.

ويقول صلاح من محامي الطوارئ “في البداية كنا جميعا في حالة صدمة، لذلك استغرق الأمر منا بعض الوقت للبدء في محاولات تقييم وتحديد الانتهاكات”.

ويقول التقرير إن الوصمة الاجتماعية والشلل الناجم عن الصدمة يعقدان التوثيق والإبلاغ، وكذلك عدم الحصول على الرعاية الطبية والنفسية المناسبة. وانتقل بعض الممارسين الطبيين إلى وسائل التواصل الاجتماعي لتقديم إرشادات أو مشاركة جهات الاتصال لأولئك الذين يمكنهم المساعدة.

الاغتصاب على أصوات البنادق
وتحدثت عسل، وهي طالبة طب في السنة الخامسة، عن أنها كانت بعد 5 أيام من القتال راقدة مع والدتها وأختها وجدتها في غرفة واحدة بالليل، وسمعن صراخا مع عدم وجود كهرباء منذ بداية الحرب، “كان الصوت واضحا تماما، ثم سمعنا إطلاق نار… لإسكاتهن. كن يهدأن لمدة ثوان، ثم يبدأ الصراخ من جديد. ثم إطلاق النار. لم تتوقف الصرخات، ولم يكن هناك شيء يمكننا القيام به. كنا ندعو ونتمنى أن يكون ما يجري هو عملية سطو مسلح، لكننا عرفنا، بدأت أمي تقرأ القرآن. ولم تستطع أختي التوقف عن البكاء؛ كانت تعاني من صعوبة في التنفس. كانت أطول ليلة وأكثرها رعبا في حياتي”.

في الصباح، ذهبت “عسل” إلى المتجر المجاور وسألت المالك عن الليلة السابقة. كانت تأمل أن يقول إنه كان مجرد نهب. لكنه قال “تم اغتصاب بنات كذا وكذا”. وأضافت “ما زلت أفكر: هل كان يجب علي الذهاب لمساعدتهن؟ هل يمكنني المساعدة؟”.

أما حسنى فتقول “حدثت دورتي الشهرية بعد 4 أيام من الاغتصاب ولم أكن أبدا أكثر سعادة من ذلك اليوم. كان أكبر ارتياح شعرت به على الإطلاق”.

لا تزال تنتظر زوجها للانضمام إليها لينتقلوا إلى مدينة أخرى في السودان ويحاولوا بناء حياتهم من جديد.

“أنا بخير، أنا بخير، لقد ساعدني دعم زوجي ووقوفه بجانبي كثيرا. لقد قلل من المحنة بأكملها”. هكذا ختمت حسنى حديثها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى