تقارير وتحقيقاتطب وصحة

رغم تفشي “الآفة”.. إقبال “خجول” على مراكز علاج إدمان المخدرات في العراق

8 يناير 2024

استهدفت آفة الإدمان على المخدرات فئة كبيرة من الشباب ما دفع الجهات المعنية لافتتاح عدداً من المؤسسات المختصة لعلاجه ما بين مركز وردهة واستشارية موزعة بين المحافظات، ورغم أنها غير كافية للأعداد المتزايدة من المتعاطين الحاليين، إلا أنها تشكو من تدني مستوى إقبال المدمنين عليها لأسباب أبرزها الخوف من المساءلة القانونية وقلّة الوعي والتحفظ الاجتماعي.

واتسعت في السنوات الأخيرة تجارة وتعاطي المواد المخدرة في العراق رغم التدابير الأمنية المشددة للحد من هذه الظاهرة الخطيرة، حيث تنفذ الأجهزة الأمنية بشكل شبه يومي، عمليات قبض على مهربين وتجار ومتعاطين للمخدرات في مختلف المدن العراقية.

12 ألف متاجر ومتعاط

وأعلنت وزارة الداخلية العراقية، عن ضبط 3.5 أطنان من المخدرات و15 طناً من المؤثرات العقلية، واعتقال 12 ألف متاجر ومتعاط، في عموم البلاد خلال عام 2023.


وقال الناطق باسم الوزارة، العميد مقداد الموسوي، في تصريح سابق له، إن “المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية وخلال عام 2023، ضبطت 3 أطنان ونصف الطن من المواد المخدرة، و15 طناً من المؤثرات العقلية”.

وأضاف الموسوي، أن “عدد الموقوفين والمحكومين بقضايا المخدرات، خلال عام 2023، بلغ نحو 12 ألف متهم”.

فرصة للمتعاطين

من جهته، يؤكد مدير العلاقات والإعلام، بمديرية مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية، العقيد بلال صبحي، أن “قانون المخدرات أعطى فرصة للمتعاطين من خلال المادة 40 منه، والتي نصت على أن لا تقام أي دعوى جزائية على كل شخص تعاطى المواد المخدرة والمؤثرات العقلية وذهب من تلقاء نفسه للعلاج في المستشفيات المختصة.

وأضاف صبحي ، أن “هؤلاء تُسخّر لهم إمكانيات وزارتي الصحة والعمل والشؤون الاجتماعية لإعادة تأهيلهم، على خلاف الذين يُلقى القبض عليهم، فهؤلاء يحاكمون وفق المادة 32 من قانون المخدرات”.

مراكز العلاج

بدورها، تعلن وزارة الصحة العراقية بين الحين والآخر، عن افتتاح مراكز جديدة لمعالجة متعاطي المخدرات في المحافظات العراقية، مؤكدة أن الاقبال دون المستوى المطلوب لكنه في تصاعد.

وفي هذا السياق، يقول المتحدث باسم وزارة الصحة سيف البدر، إن “في كل محافظة يوجد على الأقل مركزاً أو ردهة أو استشارية لعلاج حالات الإدمان”.

ويوضح البدر أن “في بغداد هناك أكثر من مركز أهمها وأكبرها مركز القناة لاعادة تأهيل وعلاج حالات الإدمان الذي افتتحه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني”.

مركز القناة

وكان السوداني قد افتتح في شباط/ فبراير 2023، مركز القناة للتأهيل الاجتماعي، بسعة 150 سريراً، بعد إعادة تأهيله، والذي يعتبر من المراكز الرئيسية لتأهيل المدمنين في بغداد.

حيث يحتوي هذا المركز على أسّرة فندقية من الدرجة الأولى وجناحاً خاصاً بـ16 سريراً وغرف عزل خاصة للمرضى شديدي الإدمان.

كما يحتوي أيضاً على قاعات رياضية وملعب خماسي وعيادات استشارية (باطنية وأسنان ونفسية)، ويوجد في المركز أطباء وباحثين نفسيين.

ويتبع المركز إدارياً إلى دائرة مدينة الطب التعليمية، ويستقبل المدمنين من جميع محافظات العراق والوحدات العسكرية، والمركز مفتوح على مدار 24 ساعة ويكون استقبال المرضى صباحاً يومياً.

وينوّه المتحدث باسم وزارة الصحة سيف البدر، إلى أن “وزير الصحة أعلن البدء بإنشاء أكثر من مركز في المحافظات، نظراً للحاجة إلى زيادة أعدادها، ورغم أن الإقبال دون المستوى المطلوب لكنه في تصاعد، ويحتاج إلى توعية صحية وتثقيف عن أهمية مراجعة هذه المؤسسات”.

ويشدد، على أن “هذه المراكز تتعامل مع المدمن باعتباره مريضاً يحتاج لرعاية صحية فقط، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى سواء كان متعاطي أو مدمن، حيث يتم تقديم الخدمة الصحية له حتى يتعافى ويغادر إلى حال سبيله”.

ارتفاع مستمر بنسب المتعاطين

بدوره، دعا عضو لجنة الصحة والبيئة النيابية، باسم الغرابي، إلى “إنشاء مركزاً لعلاج الإدمان في كل محافظة، على أن لا تقل سعته عن 50 سريراً، مع ضمان وجود الكوادر المتخصصة لمعالجة وتأهيل متعاطي المخدرات”.

ويرى الغرابي أن “أعداد المراكز الحالية لا تكفي مع الحجم الكبير للمتعاطين الذي يرتفع بدرجة كبيرة في عموم العراق، حتى بين طلاب المرحلة المتوسطة وصعوداً وبنسب قد تصل إلى مستويات خطرة، كما هناك متعاطيات من النساء، فضلاً عن وجود متعاطين حتى في داخل السجون”.

وأضاف “لذلك هذه الحالة في تزايد مستمر، ما يستدعي في المقابل زيادة المراكز العلاجية أيضاً، رغم هناك مراكز تأهيل عديدة منها بمستشفى الحياة في البصرة بسعة 44 سريراً، وفي ديالى بسعة 20 سريراً، وفي ذي قار بسعة 24 سريراً، وفي بابل بسعة 20 سريراً، ومستشفى الحياة التي سيتم افتتاحها في الديوانية ستضم أيضاً بعض الأقسام لمعالجة هكذا حالات”.

ومن المستشفيات الأخرى التي فيها مراكز متخصصة لعلاج الإدمان، مستشفى الزهراء في واسط، ومستشفى الإمام الحسن في كربلاء، والسلام في نينوى، وآزادي في كركوك، وهناك مركز متخصص في المثنى، ومركز العطاء وابن رشد ومستشفى الشماعية في بغداد.

وينوّه الغرابي، إلى أن “العمل على تعديل قانون المخدرات عام 2017، حيث أن حجز المتعاطين في السجون قد يؤدي إلى إدمانهم أكثر لاختلاطهم مع المدمنين، بل ينبغي إنشاء مراكز متخصصة داخل السجون يحجز بها المتعاطون وحدهم بمعزل عن المدمنين”.

وظيفة مراكز التأهيل

تهتم مراكز إعادة تأهيل المدمنين بتقديم الرعاية والعلاج للأفراد الذين يعانون من إدمان المواد الطبية أو المخدرات، حيث تركز على إعادة تأهيل الأفراد وتوفير الدعم النفسي والطبي للتغلب على الإدمان، وفق المختصة النفسية، إيناس هادي سعدون.

وتوضح سعدون، أن “مراكز تأهيل المدمنين تعمل بغرض علاجي وليس لها طابع قانوني، وتسعى لمساعدة الأفراد في تحقيق الشفاء والتعافي، عبر تقديم برامج علاجية متخصصة ودعم نفسي لمساعدة الأفراد للتغلب على الإدمان، يشمل ذلك أنشطة تأهيلية وجلسات استشارية يتم فيها مراقبة التقدم الصحي للأفراد وتقييم فعالية البرامج العلاجية”.

لكن ما يزال مستوى إقبال المدمنين على مراكز التأهيل العلاجية ضعيف، لأنه عادةً ما يتأثر بعدة عوامل، وفق سعدون، منها مستوى الوعي بأهمية البحث عن علاج لمشاكل الإدمان وفهم فعالية مراكز التأهيل، وإمكانية الوصول إلى مراكز التأهيل وتوفر الخدمات في المناطق المختلفة.

وتدعو المختصة النفسية إلى ضرورة القضاء على التحفظ الاجتماعي والتمييز ضد الأفراد الذين يلجؤون إلى العلاج، مؤكدة أن “وجود دعم من الأسرة يلعب دوراً هاماً في تشجيع الأفراد على البحث عن العلاج، كما أن تحسين جودة الخدمات وتوفير برامج علاجية متكاملة يمكن أن يؤثر إيجاباً على الإقبال”.

إدمان من التجربة الأولى

من جهتها، تشير الخبيرة في علوم الأدلة الجنائية، زينب البيروتي، إلى أن أهم أسباب انتشار المخدرات في العراق يعود إلى نوعيتها، حيث إن المخدرات التي دخلت إلى البلاد هي من المؤثرات والمنشطات على الجهاز العصبي المركزي التي تسبب الإدمان من الجرعة الأولى أو الثانية وهمها الكبتاغون والكريستال.

وتوضح البيروتي “تكمن خطورتها من حب التجربة والرغبة في تناول هذه المواد وأحياناً بالاحتيال على بعض الأشخاص واعطائهم جرعة مجانية ما تسبب الإدمان لهم، فضلاً عن غياب الرقابة الأسرية وأصدقاء السوء الذين يمثلون 50% من انتشار هذه الآفة في البلاد”.

وتؤكد أن “المتعاطي لا يحتاج إلى الرقود بالمستشفى كالمدمن، وكان علاج الإدمان في السابق بأسرة محدودة في مدينة الطب ومستشفيات الرشاد وابن رشد والعطاء، وهذه غير كافية مقارنة بعدد المدمنين الموجودين في العراق”.

وتتابع “لذلك تم افتتاح في جانب الرصافة مراكز قسرية لعلاج المدمنين في الرشاد والبلديات، وكذلك سيتم افتتاح مراكز في المحافظات كافة، منها مركز علاج المدمنين في محافظتي النجف وكربلاء”.

وعن العلاج في مستشفى صدر القناة، تبيّن البيروتي أن “العلاج فيه يتم بأحدث الطرق بعد أن كان العلاج سابقاً يقتصر على أربع مراحل فقط (التقييم، وسحب السموم، وإعطاء العلاج الدوائي، والتأهيل)، لكن في هذا المستشفى يتم العلاج بأحدث المراحل وهي العلاج السلوكي المعرفي والجدلي والاسترجاع البايلوجي، والكثير من العلاجات الحديثة”.

طرق العلاج

وتبدأ مرحلة العلاج من الإدمان بوجود شخص يساعد المتعاطي ويرافقه طيلة مرحلة علاجه، ويذكره دائماً بأهميته لعائلته وأصدقائه، ويعامله على أنه مريض نفسياً وضحية، وليس مجرماً يجب معاقبته، بحسب ما قالته البيروتي في تصريح سابق لوكالة شفق نيوز.

وتوضح، أن “كل مادة مخدرة لها طريقة علاج تختلف عن الأخرى، وتتراوح فترة سحب المواد المخدرة من الجسم من أسبوعين إلى 45 يوماً، إلا أنها لا تخرج من عقل المُتعافي، وهنا يكمن الخطر”.

ويعني ذلك، أن المُدمن عند تعرضه لمشكلة أو العودة إلى رفقاء السوء، فأنه سيعود إلى الإدمان بسهولة وأشدّ من المرة الأولى، لذلك أهم خطوة في العلاج هي إخراج المخدرات من عقل المُدمن وليس من جسمه فقط، وفق البيروتي.

وتبدأ مرحلة العلاج بسحب السموم “ديتوكس” من خلال شرب المياه والسوائل بكثرة، لأن الشخص المدمن تكون صحة كليته وكبده العضوان المسؤولان عن طرح السموم متعبين، ويكون ذلك بالتزامن مع تقليل المادة المخدرة للمدمن.

وتضيف البيروتي “بعدها تبدأ مرحلة العلاج المعرفي السلوكي، ثم العلاج السلوكي الجدلي، وذلك من خلال النقاش مع مدمنين آخرين، وهذا ما يجري في مراكز علاج الإدمان، حيث هناك مستشفيات العطاء وابن الرشد وابن القف لعلاج الإدمان في بغداد”.

وتتابع “ثم ينتقل المدمن إلى العلاج السلوكي الانفعالي العقلاني، المتمثل بردود فعل المدمن للعلاج، وتعقد مقابلات دورية بين المدمن والطبيب تسمى بـ(التحفيزية)، التي لها دور رئيسي في العلاج، وكذلك إعطائه مواد طبية قريبة من المادة المدمن عليها”.

وتشير إلى أن “هناك علاج النارنون، وهذا يتمثل بتحريك مشاعر الشخص تجاه عائلته ومحبيه، وهناك علاج التحفيز بالإبر الصينية لتحفيز الجهاز العصبي المركزي”.

ويعاني مدمن المخدرات من ضعف الجسم والمناعة والأعصاب، وبالتالي يكون معرضاً للأمراض، لذلك ينبغي إعطائه فيتامينات (دي، ودي 3، وبي 12)، وإبر النيوروبيون المقوّية للأعصاب، بالاضافة إلى عشبة الدارسين التي تعد أفضل عشب مقوي للأعصاب، ليعود الجهاز العصبي المركزي للمُدمن للعمل مرة ثانية، بحسب البيروتي.

وعن مراحل الفترات العلاجية، تبين أنها تتضمن “فترة التغيير، وفترة الحرمان، والفترة الانسحابية من المواد المخدرة، وفترة الحماس التي تستغرق من شهر إلى 3 أشهر، وفترة الملل من 3 إلى 6 أشهر، وآخر فترة هي فترة بدء الحياة الجديدة، من 6 إلى 9 أشهر، أو إلى 12 شهراً”.

مقترحات لتشجيع المدمنين على العلاج

وفي هذا الجانب، يقول رئيس المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق، فاضل الغراوي، إن “من أهم الوسائل التي تساهم في حث المتعاطين على أخذ العلاج أو مراجعة مراكز معالجة الإدمان هي التطمينات والتثقيف من قبل مؤسسات الدولة واعتبار المتعاطي شخصاً يستحق الرعاية والاهتمام”.

ويضيف الغراوي ، أن “العلاج يتمثل بتأهيل المتعاطي من الإدمان وعلاج الصدمات النفسية التي أثرت عليه في مرحلة التعاطي وإعادة دمج الشخص في المجتمع”.

ويؤكد على أهمية ضمان عدم توجيه تهمة التعاطي لمن يراجع مراكز العلاج، وتجنيبه المساءلة القانونية بهذا الخصوص وعدم شمول المتعاطي بوصمة العار واعتباره مريضاً يمكن شفاؤه ما سيساهم في زيادة أعداد الراغبين بالعلاج.

قانون المخدرات

يؤخذ على قانون مكافحة المخدرات في العراق، الذي تم تحديثه عام 2017 أنه ضم ثغرات تحول العقوبة من سجن مؤبد إلى خمس سنوات للمتاجرين، وأن هذه العقوبة لا توازي الجريمة التي تعد ثاني أخطر جريمة في العالم، على عكس القانون السابق الذي كان يرى التعاطي والمتاجرة جناية لا جنحة، ويحاكم عليهما بأشد العقوبات.

وكان العراق يفرض عقوبة الإعدام على متعاطي المخدرات وتجارها، لكن سن قانوناً في عام 2017 يمكن بمقتضاه علاج المتعاطين في مراكز التأهيل، أو الحكم بسجنهم فترة تصل إلى 3 سنوات.

حيث يعاقب قانون المخدرات 68 لسنة 1965 بالسجن 15 سنة على تعاطي المخدرات، في وقت لم تكن المخدرات منتشرة بهذا الشكل والمخيف بحيث يُحال المتعاطي إلى الجنايات، وفق الخبير القانوني، علي التميمي.

ويضيف “جاء القانون الجديد للمخدرات 50 لسنة 2017 في المادة 32 منه لينزل بالعقوبة بالنسبة لتعاطي المخدرات إلى جعلها جنحة عقوبتها من الحبس سنة واحدة إلى سنتين، وغرامة مالية تصل إلى 10 ملايين دينار فقط، وهي عقوبة هزيلة لا تناسب كون العراق سوقاً للتعاطي وليس مصدراً أو منتجاً للمخدرات”.

ويشير إلى أن “أهداف العقوبة الجنائية الردع وتحقيق العدالة الاجتماعية والنزول بالعقوبة كان غير موفق في تشريع هذا القانون المهم، وتعاطي المخدرات ازداد في مقاهي الأرجيلة والملاهي كما أعلن إعلامياً”.

من جهته، يقول الخبير القانوني، أحمد العبادي، إن “المتعاطين عقوبتهم واحدة في القانون، حيث نصت المادة 32 من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم 50 لسنة 2017 على أن (يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة واحدة ولا تزيد عن ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن خمسة ملايين ولا تزيد عن عشرة ملايين، على كل من استورد، أو أنتج، أو صنع، أو حاز، أو اشترى مواد مخدرة، أو مؤثرات عقلية، أو سلائف كيميائية، أو زرع نباتاً من النباتات التي ينتج عنها مواد مخدرة، أو مؤثرات عقلية، أو اشتراها بقصد التعاطي والاستعمال الشخصي)، فهذه العبارة مطلقة ولم تفرق بين مادة أو أخرى، بل الجميع بالعقوبة نفسها”.

* الشفق نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى