تقارير وتحقيقات

الموبايل.. صندوق الرجال الأسود

تحقيق ــ هدى العزاوي 

في ثوان وربما اقل من ذلك بكثير تحولت حياة عماد الزوجية الى جحيم لايطاق نتيجة الموبايل الذي تسبب في تهديم بناء عائلته الذي استمر في اعداده طوال ثلاث سنوات، وكان ابرز عواقب خطئه وأشده مرارة عندما ترك الجهاز بجانب زوجته دون تأمين، لتنطلق سلسلة متدفقة من العبارات الرنانة عن علاقة خفية خلف كواليس التكنولوجيا!، في تلك اللحظة تكسر سد الثقة وفاضت سيوله وانقلبت الهمسات الخرساء التي كانوا يهمسونها الى هدير جبار كقصف الرعد واصبح الجو مشحونا بالشكوك تشتعل فيه نيران الانفصال.

وتروي سحر قصتها مع زوجها وهي تصارع عنكبوت النسيان: " لم ولن انسى ذلك اليوم المشؤوم الذي ترك فيه عماد صندوق اسراره الاسود على قابس الشحن وتوجه للاستحمام، وحدثت الكارثة التي افسدت جميع الاجراءات التي كان يحسب لها حسابا في كل مرة قبل دخوله، فقد ترك جهازه قبل التأكد من غلق رقم الحماية الذي لا أحد يعرفه غيره، فجأة!".

ويقول استاذ علم الاجتماع الدكتور محمد عبد الحسن:" يروى ان قلوب الرجال صناديق مغلقة او مقفلة دلالة على المستوى العالي من الكتمان والسرية، غير ان هذه النظرية على ما يظهر قد تغيرت بعد ان صار كل رجل يحمل اضافة الى صندوق قلبه الذي يستودع فيه اسراره، صندوقا اخر يتشارك فيه الاسرار مع القلب والعقل، لربما خطورته تكون اكبر بكثير مما يحتويه القلب، لان هذا الصندوق عندما يقع بين يدي الاخرين فأنه بالامكان استنطاقه، واذا نطق يفصح عن الكثير من الاسرار والمعلومات التي قد  تغير خارطة حياتنا مع الاحباب والاصحاب بل حتى الخواطر والظنون التي نفكر بها ونكتبها هنا و هناك، فغالبا مايقلب هذا الجهاز ومافيه من اسرار حياة الازواج راسا على
 عقب".

علاقات مبطنة

اختلطت الكلمات التي كان على سحر ان تقولها في سلسلة طويلة من الاحرف ثم تلاشت شيئا فشيئا عندما تذكرت الصور و"المسجات" ليخيم على وجهها يأس عميق ثم واصلت حديثها:
 " كانت اكثر الصور و"المسجات" التي توالت على موبايل زوجي تنم عن علاقة جسدية مشبوهة مع بعض النساء، صمتت واستطردت قائلة: لم اتجرأ على مواجهته في ذلك اليوم وانتظرت اياما وليالي وانا اتجرع الألم واليأس وانا ارقب تحركاته، فبدأ يحرص على ان يكون الجهاز قريبا منه ولايسمح لاي كائن للاقتراب منه او مسه بل حتى بدأ يدخله معه الى الحمام عند استحمامه، ولان للصبر حدودا كما يقال".ابتلعت ريقها باضطراب واكملت حديثها:" واجهته الند بالند، واقسم عماد بأغلظ الايمان ان لاعلاقة له بتلك المسجات وان ظنوني ليست في محلها خاصة وانني لم اواجهه ساعتها، وسرد لي قصة كاذبة اقتنعت بها لتمشية الحال غير اني لم اتجاوز المشكلة، عندها دخلنا في مسلسل قاتم من المشاكل والمنغصات تنتهي اغلبها بطلبي للطلاق، لينتزع الموبايل كل ماتبقى من الحب والثقة في قلبي لهذا الرجل ".

وتقول استاذة علم النفس الدكتورة سناء الخزرجي:" معظم اسرار الفرد تجدها مخبأة في هذا الجهاز الصغير والخطير الذي اختصر كل الازمان السابقة وتجاوزها بأشكال ومضامين جديدة عصفت بشخصية الفرد وحياته، وهذا ينطبق على المرأة كما ينطبق على الرجل، فكما للرجل اسرار للمرأة ايضا اسرارها طالما انها خاضعة لنفس الظروف والحاجات التي تعصف بها، لذلك لا يحق لاحد الحكم على سلوك المرأة بينما يتجاوز عن هفوات الرجل والعكس، وكل هذا بالطبع يعود لثقافة المجتمع وكيف يرى الانسان بصرف النظر عن نوعه، في ظل مايشكله الانفتاح من خطر على حياة الانسان واستقراره النفسي والاجتماعي و الذي يتيح له التواصل بسهولة".

آراء وتناقضات

ويروي عماد جاسم بصراحة تامة ما حدث من زاوية أخرى موضحا:" مع اني تحملت ماتحملت من شكوك وانعدام ثقة من زوجتي لكني في الحقيقة لم افكر في خيانتها مرة اخرى، فقد كان لي امل في اعادة بناء جدار الثقة الذي انهار اثر تلك النزوة العابرة ولكن دون جدوى! ففي كل مرة امسك فيها الجهاز تشتعل نار غيرتها الخالية من الايمان بنزاهة الحب، وغالبا ماتنتهي مشاجراتنا باسطوانة مشروخة تكرر ضجيجها المزعج للقلب والمشاعر لطلب الانفصال". ويضيف جاسم وقد ضاق صدره: " كل رجل لديه صندوق لحفظ اسراره، غير ان لونه يختلف من شخص الى اخر، فهناك من يكون صندوقه ابيض للحفاظ على خصوصية عائلته لكي لايصل اليها ضعاف النفوس في حالة فقدانه، وهناك من يكون صندوقه اسود بسواد علاقاته المشبوهة والتي يصعب كشفها في اغلب الاحيان، خاصة ان هناك من يتعامل بذكاء مع علاقاته الخارجية كأن يتفق مع حبيبته على ساعة معينة يحددها للحديث، وهناك من يبعد الشكوك ويضع هاتفه الشخصي في متناول زوجته وصندوق اسراره الاسود الذي  يحوي اسراره وخفاياه في مكان اخر". 

ومن جانبه يؤكد الدكتور عبد الحسن ان: " فتح هذا الجهاز الباب على مصراعيه ليكون هو العالم الذي يسلك فيه الفرد اي سلوك يشاء او اي يتصرف يخطر على باله من دون ان يكون في حالة خوف او خشية من نقد او اقصاء او ابعاد او استهزاء او اهانة او حتى متابعة قانونية او عرفية، فهو يتصرف مثل ما يريد لا كما يريد المجتمع او الهيئة الاجتماعية، والتي تكبله بقيودها وتفرض عليه شروطها لكي يكون مقبولا ومحترما ضمن صفوفها،  ان الهاتف النقال صار هو الجانب الاخر من شخصية كل واحد منها، فهو يمثل حقيقته التي هو عليها، وليس ما هو مفروض عليه وهو ذلك الوجه الذي يتفاعل ويتعامل به مع الاخر في الحياة الاجتماعية، نقص الحرية ووجود المحددات والمقيدات الكثيرة جعلت من الكثير ينطلق ويبحر في عالم المواقع الالكترونية والهاتف النقال حتى يجد ذاته ويعبر بحرية دون قيود او قوانين او محددات".

علاقات مؤطرة

ويختتم جاسم حديثه بكلمات موجزة تنم عن ثقة عالية من الاصرار:" ليس من الحكمة ان يتم تفتيش موبايل الرجل من قبل الزوجة وكأنه متهم بجريمة قتل، خاصة اذا كان هناك حب وثقة بين الطرفين، ولكن مع الاسف هناك بعض النساء من تحاول ان تبحث عن شيء لتؤكد صحة شكوكها بزوجها، وليس بالضرورة ان يكون النقال هو الصندوق الاسود الذي يعطينا مانريد وما لانريد، خاصة في ما يخص بعض الممارسات المعيبة والتي تجعل من البعض انتحال شخصيات يرغب في تقمصها لم تمكنه الحياة الواقعية من نيلها، فشخصية الانسان قد تقف حائلا امام هذه المغريات ، ولنفترض اذا صحت شكوك الزوجة  فعليها ان تعيد بناء خارطة حياتها الزوجية للوقوف على الاسباب التي تجعل الرجل يبحث عن اخرى؟!

وتؤكد الخزرجي أن:" الاسرة تحتاج دائما الى التجديد في المشاعر والاهتمام بطريقة التعبير عنها، اضافة الى اتباع اسلوب الصراحة والحوار دائما بين افراد الاسرة وخصوصا الزوج وزوجته، ففي مجتمع كالمجتمع العراقي يكثر فيه الكبت، فعندما يجد الفرد فرصة متاحة ليعبر عن مكبوتاته في تلك الممنوعات التي ابعد عنها لفترة طويلة من الزمن، فأنه قد ينطلق الى اقصى الحدود في محاولة لاشباع رغباته الممنوعة، فالهاتف اشبه (بذاكرة خارجية او قلب خارجي) يتبادل نقل وانتقال المعلومات من والى  العقل الباطن والواعي، لذلك هناك كلمتان سحرية تجعل الانسان السوي ملتزما غير منفلت:" الاحترام اولا والحب ثانيا واخيرا".

م/ موقع صحيفة الصباح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى