كيف تحولت معاملة الجيران إلى علاقات رسمية ؟

ميساء الهلالي
منذ ان تطأ أقدامنا حدود المدرسة ومنذ أن نفتح أعيننا على هذا العالم ونحن نسمع توصيات الاهل والكتب المدرسية حول علاقاتنا بالجيران ..( الجار أقرب الينا من الأهل) ،(خير الجيران خيرهم لجاره) (الرسول محمد "ص" أوصى خيرا بسابع جار ) وغيرها من العبارات الكثيرة التي أثقلت مسامعنا وحفظناها عن ظهر قلب ، وفي سنوات خلت كنا نطبقها فلم تكن ليالي الصيف تخلو من جلسات السمر والأحاديث المفعمة بالأخوة، فيفترش الرجال الحدائق الخارجية للمنازل بينما يلعب الأطفال قريبا منهم في حين تجتمع النسوة في منزل إحداهن بالتناوب ، وعندما يصيب أي بيت منهم فرح او حزن يهم الجميع لمساعدته فيقفون الى جانبه يسندونه معنويا وماديا .
المناطق الهادئة
اليوم أغلقت الأبواب، لم تعد لقهقهات الرجال وضحكات الأطفال وهمس النساء سوى الصدى المتبقي من جلسات الأمس ، فقد غابت صورة الجار القديم واستبدلت بصورة رسمية للغاية لا تتعدى تزاور الجيران وسؤالهم عن بعضهم البعض في المناسبات الرسمية.
في منطقة من المناطق الراقية والتي تعودت على اغلاق الأبواب منذ القدم تقول ( أم هشام):
–رغم إن منطقتنا تعد من المناطق الهادئة عموما والتي تقل فيها حركة الناس ولكني من سكنة المنطقة القدماء واذكر علاقاتي بجيران الأمس الذين رحل أغلبهم حيث باعوا بيوتهم وانتقلوا إلى مناطق أخرى.
تستذكر بحسرة، {كان الجيران في الماضي أكثر قربا من الأخوان ولنا معهم مواقف كثيرة حتى أننا ما زلنا نتزاور في المناسبات ونحرص على لقاء بعضنا البعض، أما جيران اليوم فقد أغلقوا ابوابهم فيما عدا التزاور الطفيف والسريع في المناسبات والواجبات المهمة فقط}.
الانشغال الدائم
فيما يعلق ( سعد عبد الحق ) موظف:اعتقد بأن العلاقات جميعها تراجعت ليست فقط علاقات الجيران، بل العلاقات عموما مع الاهل والأصدقاء والزملاء أيضا، فلم تعد العلاقات الوطيدة والتواصل موجود بسبب انشغال الناس الدائم والوقت الذي يمر بسرعة البرق فيسرق العمر فقد يكون انعدام التواصل غير مقصود فأنا مثلا أنوي يوميا أن أزور احد اصدقائي او جيراني ولكن النهار ينتهي ويحل الليل وأجد نفسي ما ازال في دوامة العمل ومتطلبات المنزل وكذلك زوجتي، لذا فهو أمر إجباري وليس اختياريا.
الخوف من الظروف المحيطة
البعض يؤكد بأن الخوف من الظروف المحيطة به هو السبب في ابتعاده عن التواصل مع الجيران الذين لم يعد قادرا على تمييزهم. ففي ظل الظروف التي مرت على البلاد في السنوات الأخيرة حدثت حركة تنقلات كثيرة للناس من مناطق سكناهم إلى مناطق أخرى، خاصة في العاصمة بعد الأحداث الطائفية .
(سندس عبد الحي ) من سكنة محافظة بغداد والتي سكنت مدينة كربلاء مع عائلتها المكونة من زوجها وبناتها الثلاث تقول : بعد الأحداث الطائفية التي عصفت ببغداد قبل سنوات ورغم انتهائها إلا إنني إضطررت إلى ترك العاصمة واللجوء الى مدينة كربلاء للحصول على مكان آمن لي ولزوجي وبناتي، تاركة بيتي الذي تحملني اللوعة على جيران الأمس عندما كنا لا نفرق بين دين وطائفة، اذ كنا متحدين دوما ولم تفرقنا سوى الظروف التي حلت على البلاد وخوفا على بناتي اضطررت الى ترك المنطقة والسكن في كربلاء ولكن هاجس الخوف بقي مسيطرا على تحركاتي، فلم أقم أية علاقات تذكر مع أي جيران سوى تبادل السلام عند رؤيتهم في الشارع، فقد صرت أخشى من إلحاق الأذى بي وبعائلتي رغم تأكيد أهالي المنطقة بأن الوضع في المدينة مستقر ولم تحدث أي أحداث تدل على العنف والتمييز والمعاملة السيئة ولكن بمرور الوقت تعودت على الحياة في المدينة الصغيرة وبنيت علاقات جيدة مع الجيران ولكنها بقيت محدودة.
رحلات وسفرات
بينما يتأسف ( شاكر محمد) على أيام زمان حين كان يجتمع مع جيرانه أيام الزيارات ويخرجون في رحلات جماعية الى المراقد المقدسة وسفرات الى الأماكن السياحية ولكن تلك الروابط القوية تلاشت تدريجيا بعد تغير الجيران وتغير الأخلاقيات العامة للناس فلم تعد براءة الأمس موجودة فقد صرنا نخشى على بناتنا من التحدث مع أولاد الجيران أو استقبال أولاد الجيران في بيوتنا خوفا من المحظورات.
عجلة سريعة
يفسر الباحث الاجتماعي صادق إبراهيم : تحجيم العلاقات الاجتماعية عموما وليس فقط العلاقات بين الجيران إلى عوامل عدة يلخصها في المخاوف التي اصبحت لصيقة بالناس بعد التغيرات الكثيرة التي أصابت بنية المجتمع العراقي اعقاب انفتاحه على العالم وبعد احداث العنف التي تعرض لها فتكورت العوائل على أبنائها وأغلقت أبوابها في وجه الجميع إلا من هم أهل للثقة ولم يعد الناس يفضلون إقامة علاقات جديدة مع جيران جدد أو أصدقاء جدد خوفا من المجهول بعد تغير الكثير من القيم والأخلاقيات وحدوث الكثير من المشاكل التي أربكت رصانة العلاقات الاجتماعية وكل هذا يحتاج إلى فهم جيد وإعادة الثقة بين الناس ، وخاصة في المناطق التي تعرضت إلى عنف وأحداث زرعت الخوف في قلوب الناس وأبعدتهم عن بعضهم.
العامل الافتراضي
ويتابع، {بينما يقع السبب الأكبر في تقلص العلاقات بين الناس عموما وليس الجيران فحسب الى العامل الافتراضي الذي صار عوضا عن الواقع في العلاقات بين الأقارب والأصدقاء والجيران أيضا فبدلا من التزاور صار السؤال بين الجيران عن بعضهم عبر مواقع التواصل الإجتماعي أسهل حتى أصبح الإنسان حبيسا خلف الشاشات البيضاء متوحدا عديم القدرة على بناء علاقات اجتماعية حقيقية، بينما تختلف العلاقات في المجتمع الريفي وتكون أقوى بسبب البساطة التي لا تزال موجودة ومعتمدة في تلك المناطق وبالتالي تعود العلاقات بين الجيران أولا وأخيرا إلى طبيعة المنطقة وطبيعة الإنسان
نفسه.
م/ ص . الصــباح



