المرأة والمجتمع المدني

مكانة المرأة في بلاد الرافدين

حظيت المرأة في العراق القديم، بمكانة مرموقة ومميّزة، إذ تُظهر المدوّنات والأعمال الفنيّة المكتشفة مكانة المرأة في نظر الأقدمين وكيف أنها شغلت مواقع مرموقة في المجتمع. بحسب المعتقدات الرافدينية فإن القوى الكونية الأولى المسيطرة كانت مؤنثة ومن بينها الإلهة الأم وباقي الألهات الكبريات مثل إينانّا وننماخ وننتو وننخرساج ونامو وتيّامة وننليل وننجال، الى أن وصل حمورابي للحكم بحدود القرن الثامن عشر قبل الميلاد فتحولت القوى الإلهية الى ذكورية بزعامة مردوخ، الإله القومي لبابل. كانت معظم النساء في بلاد الرافدين مُتعلّمات يلتحقن بالمدارس ويتعلّمن الكتابة وعلم الحساب وعلم الفلك. أُلّفت العديد من التراتيل المكتوبة للإلهة إينانّا من قِبِل نسوة، كانت "إنخدوانّا" أبرزهن، وكان من حق المرأة الحصول على لقب "أنتو" وهو لقب خاص بالسلطة الكهنوتية.

يمكن للمرأة أن تدير ثروتها إن لم تكن مرتبطة بكهانة معبد أو قيمومة ضريح. تُظهر المقابر الملكية في أور أغطية رأس لنساء مصنوعة من أوراق الذهب. كانت النساء تمتلك اختاماً أسطوانية كانت طباعتها بمثابة بصمة أو توقيع لتذييل الرسائل وعقود الخدمات وبيع السلع والبضائع والنصوص الاقتصادية الأخرى، وكانت معظم المشاهد المنقوشة على هذه الأختام تمثّل حفلات ولائم وأفراح ومشاهد تتعلق بالنساء. تُظهر العديد من المراسلات والحسابات وسجلات الكتبة أن الرجال كانوا يخصصون رواتب لزوجاتهم ومحظياتهم.

 

الثروة:

يحق للمرأة أن ترث وتملك الأرض، يُعرف ذلك من خلال العقود التي بموجبها خُصّصت قطع أراضٍ للنساء المتزوجات وغير المتزوجات على حدٍ سواّء. وهذه كانت ممارسة وتطبيقاً، وليس مجرّد إشارات مدوّنة.

 

المرأة – الكاهنة:

أصبحت المرأة كاهنة في معابد الألهة والألهات، ومنهن مَنْ أصبحت بمرتبة كاهنة عليا "ننتو". وكان الملوك والأمراء يتبارون بإرسال بناتهم للخدمة في المعبد كجزء من السلطة الكهنوتية. كانت هناك فئات من الكاهنات يُسمح لهن بالزواج، وفي بعض الحالات حمل الأطفال، لكنَّ فئة معينة منهنَّ ينذرنَ أنفسهنَّ ويبقينَ عذراوات، فيَرِثنَ الأراضي والممتلكات من عائلاتهنَّ ويعشنَ فيها وليس في مرافق المعبد مثل باقي الكاهنات، ويعاقب بشدّة أي رجل يحاول انتهاك عفّتهنُّ.

 

السلطة:

كان للنساء نصيبٌ من السلطة في العراق القديم، إذ لعبنَ العديد من الأدوار السياسية المهمة، من بينهن بو-آبي (شبعاد) الأميرة في أور في القرن السادس والعشرين قبل الميلاد، والأميرة شاشا زوجة أوروكاجينا، حاكم لجش وصاحب الإصلاحات الشهيرة بحدود 2355 قبل الميلاد، وكذلك الاميرة باو، حاكمة مدينة كيش، القريبة من بابل، في بداية الألف الثالث ق.م.

من الممكن للمرأة أن ترث العرش، فقد ورثت شامورامات (سميراميس)، زوجة الملك الأشوري القوي شمشي آدد الخامس (حوالي 824 – 811 قبل الميلاد) العرش عندما توفي زوجها، وحكمت نيابة عن ابنها لسنوات عديدة، وانتصرت في العديد من المعارك وتمكنت من ضم أراضٍ واسعة لمملكة زوجها الأصلية.

 

جلجامش و"ثلثين الولد من الخال":

يشيع في جنوبي العراق المثل القائل، مجازاً، أن ثلثي الرجل يعود لأخواله، أهل أمّه، وأن الثلث المتبقّي يتبع الأب والأعمام "ثلثين الولد للخال". إنَّ نسبة الرجل لأمه، وليس لأبيه، هو تقليد بعيد عن البيئة العربية التي يغلب فيها المبدأ الذكوري، من دون أن يكون للأنثى دور يُذكر، فضلاً عن إعطائها أهمية في أن يُنسب لها الإبن أكثر من نسبته الى الذكر.

في المجتمع الذكوري يختفي ويتلاشى تماماً دور المرأة في التأثير الأجتماعي الى درجة أن ذكرها، أن حصل، فإنه يأتي مقروناً بالازدراء والهامشية. لذلك، من الراجح، منطقياً، أن أصل هذا المثل يعود الى التراث الرافديني القديم، في بواكيره، حينما كانت القوى المؤثرة في المجتمع والكون قوىً مؤنثة بحسب المعتقدات الدينية. لذلك، كانت الزعامة والمبادرة بيد القوى الطبيعية المؤنثة التي تمثّلها الإلهة إينانّا وزميلاتها المبجّلات من تيامت وننماخ (السيدة البهيجة)، وننجال (السيدة العظيمة) وننخرساج (سيدة الأقاليم) وننتو (سيدة السماء) وننليل (سيدة الهواء) وأخريات، قبل أن تتحول الزعامة الى الذكور بزعامة الإله مردوخ في بداية الألف الثاني قبل الميلاد.

يرد في المدوّنات الأدبية الرافدينية أن البطل الملحمي جلجامش كان ثلثاه إلهاً وثلثه الأخير بشراً. يأتي ثلثاه الألهيان من جهة أخواله الألهة، إذ كانت أمه، نينسون، إلهة ثانويةً في أوروك يستعان بها بديلاً عن إينانا في أداء الطقوس والشعائر في معابد أوروك حين تنزل الأخيرة الى العالم السفلي أو في حال سفرها. أما ثلث جلجامش البشري فهو من جهة أبيه لوجال باندا، الحاكم الثالث في سلالة أوروك الأولى في عصر فجر السلالات السومرية الأول (بحدود 2750 ق.م.).

 

المرأة – الإلهة:

تضمّن مجمع الألهة العراقية العديد من الألهات اللائي لعبنَ دوراً مهماً في تشكّل المعتقدات الدينية والملاحم الأولى في تاريخ البشرية وفي خلق الكون والإنسان، تأتي في مقدمتهن "ننماخ" التي اشتركت مع إنكي في خلق الإنسان، و"إينانّا" التي كانت مسؤولة عن الخصب والنماء، و"ننليل" سيدة الهواء والفضاء، و"نيسابا" آلهة الحبوب والكتابة.

 

المرأة – السيدة "نين":

هذا العنوان "نين" خاص بسيدات من المجتمع وبآلهات وزوجات آلهة، كان لهُنَّ قوة وقدرة على تسوية المنازعات والبت في المسائل السياسية المهمة وتوفير الحماية أو سحبها.

 

المرأة كزوجة:

كان يحق للرجل الحصول على زوجة واحدة فقط ولاتوجد أدلة على تعدّد الزوجات. يتم الزواج عن طريق اتفاق يتضمن تسليم العريس عدداً من السلع والأشياء الثمينة للعروس وأسرتها، ويتم تدوين العقد على لوح من الطين، لتنتقل المرأة بعد ذلك الى منزل زوجها. هناك أدلة على علاقات خارج الزواج وأدلة على الطلاق. وهناك أيضاً أدلة على أن عدداً من حالات الزواج والطلاق كانت تجري بين الأزواج من دون تدخل المحاكم.

 

المرأة كاتبة وأديبة:

تُظهر السجلات التاريخية والمدونات الأدبية أن بعض النساء كنَّ كاتبات وأديبات، بل أنَّ رعاية الكتابة والتدوين أُنيطت بسيدة هي الإلهة "نيسابا"، فكانت هي السيدة العارفة الملهمة. كانت بعض الترنيمات والتراتيل تُصنف من قبل النساء.

 

المغنيات:

هذه الفئة من النساء كنَّ موجودات في المعبد والقصر. في المعبد، كان المغنيات يحملن صفة كاهنات مكلفات بالغناء والموسيقى وترتيل الأناشيد والترانيم وعزف القيثارات. كان هذا المنصب مصدرَ فخرٍ للنساء المختارات، إذ كنَّ يتمتعن بالامتيازات والأجور الخاصة، وتوفّر لهنَّ المساكن والملابس المميّزة. كما كانت هناك فئة من البغايا المقدّسات، يمثّلنَ الألهات في الشعائر، لايقترب منهن إلا من يدفع أكثر من قبل الأثرياء أو أصحاب النفوذ والمناصب السياسية العليا.

 

النساجات والحائكات:

هذ الفئة من النساء كنَّ يعملن في معامل نسيج تابعة للمعبد بصفته المؤسسة الرسمية. يبدو دور النسّاجات واضحاً في صنع الملابس العسكرية والملابس الكهنوتية والملكيّة كما ملابس العامة، وكنَّ يحظينَ بالتقدير لما يمتلكن من مهارات عالية، وكان إنتاج النسيج يكفي ليس فقط للأحتياجات الأساسية ولكن أيضاً للتصدير إلى الأقاليم المجاورة ومقايضته بالسلع والبضائع والأحجار والمعادن غير الموجودة في العراق.

 

سيدات الأعمال:

كانت النساء تدير المصالح والمعامل والأعمال وكنَّ يمتلكن أراضي وعقارات وممتلكات. يرد في ملحمة جلجامش مثلاً ذكر نادلة اسمها سيدوري كانت تمتلك حانة عند تخوم أوروك.

 

إعداد وترجمة : د. عبد الأمير الحمداني

م/ جريدة الصباح

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى