العودة إلى الموصل .. فرح وحزن

بشير الزيدي*
الموصل، مدينتي، كانت شوارعها خضراء، تظلل الأشجار أرصفتها. وكانت المنازل القديمة المطلة على نهر دجلة تضيف جمالاً للمدينة وتشكل جزءاً من هويتها.
كانت مدينة تعنى بالمعرفةـ وتشتهر بجامعتها العريقة. عمل والدي قرابة ربع قرن تدريسياً فيها، وقضيت فيها أولى أعوام دراستي الجامعية قبل أن ننتقل إلى بغداد.
جذبت الموصل سكان المدن الأخرى الباحثين عن الاستجمام، بنسيمها المنعش وآثارها التاريخية.
لم تطأ قدماي أرضها لأكثر من أربعة عشر عاماً. كنت مدركاً ان الموصل تعاني من دمار جسيم، عقب أكثر من سنتين من سيطرة وبطش تنظيم (داعش). إلا أن الصدمة كانت أكبر عند رؤية الدمار على أرض الواقع.
وجدت نفسي أغالب دموعي بينما كانت السيارة التي تقلنا تمر عبر الشوارع التي لهوت فيها طفلاً. كان من الصعب تمييز الأماكن التي كانت يوماً ما مألوفة.
أينما نظرت، كانت آثار القتال العنيف شاخصة. جدران شوهتها طلقات نارية ومبان مهدمة. وكانت قطع الصفيح الملتوي وسيارات محترقة في أرجاء الشوارع.
عودة محزنة
يزدحم الطريق المؤدي إلى الموصل من أطرافها الشرقية بالشاحنات المحملة بالمؤن والبضائع، وبسيارات الإسعاف التي تنقل الحالات الحرجة والجرحى إلى مستشفيات مدينة أربيل. لم تعد هناك مستشفى تعمل في الموصل.
استعيدت السيطرة على الساحل الأيسر أو الجزء الشرقي من الموصل، حيث نشأت وسكنت أسرتي، في شهر يناير كانون الثاني الماضي . لكن هناك معركة شرسة عبر النهر لطرد مسلحي (داعش) من الجانب الأيمن.
يسعى مسلحو (داعش) في الجزء الغربي إلى عرقلة الحياة في الشطر الشرقي من خلال قصفه بقذائف الهاون والقنابل التي تحملها طائرات مسيرة، فضلاً عن هجمات انتحارية بين الحين والآخر. ولهشاشة الوضع الأمني في شرق الموصل، كان علينا التنقل برفقة دورية من الجيش العراقي.
وجهتي الأولى، كانت منزل كريم، صديق طفولتي الحميم. كنا على تواصل دائم، إلا أن ذلك أضحى خطيراً وأقرب إلى المحال إثر سيطرة (داعش) على الموصل.
ركنا السيارة خارج منزل كريم، وفجاًة ها هو ذا عند المدخل.
حضن كل منا الآخر وانهمر بالبكاء. كان شعوراً مفعماً بالسعادة أن نلتقي بعد كل هذه السنين. لكن في الوقت ذاته، كان هناك شعور بالحزن على ما فقد منذ آخر مرة التقينا فيها.
رحب بي كريم في منزله والتقيت ابنيه للمرة الأولى. روي لي بينما كنا نحتسي الشاي كيف كانت الحياة تحت ظل سيطرة (داعش). قال لي كريم إنه وكثيرين غيره كانوا متفائلين بتحسن الأوضاع بعد دخول المسلحين إلى المدينة. كان ذلك صدمة لي.
في دوامة العنف والفوضى التي أعقبت الإطاحة بحكم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، عانت الموصل من فساد إداري وشعر سكانها بتمييز على أساس طائفي.
كانت المدينة ذات الأغلبية السنية تكن مشاعر الكره لقوات الجيش العراقي ذات الغالبية الشيعية. وكان السكان ينحون باللوم على الحكومة بشأن مشاكلهم.
قالي لي كريم "في البداية لم يطلقوا على أنفسهم تسمية (الدولة الإسلامية). قالوا إنا ثوار منتفضون ضد الحكومة العراقية ونحن هنا لمساعدة الناس لعيش حياة عادلة".
لكن ذلك سرعان ما تبدد مع تجلي الحقائق بشان تنظيم ما يعرف بـ(الدولة الإسلامية) و"دولة الخلافة" التي أعلنها. حل الرعب محل الأمل، مع الاعتقالات والقتل وعقوبات الجلد وقطع اليد التي كانت تحدث يومياً.
في حينا القديم حيث نشأت وكريم، استولى (داعش) على العديد من المنازل التي كان يسكنها أساتذة جامعة وقضاة ومسؤولون حكوميون. اعتراني شعور غريب لدى سماع ذلك.
اعتقل مسلحو (داعش) شقيقاً أكبر لكريم وقتلوه. تهمته الوحيدة أنه عمل في المفوضية العليا للانتخابات.
"أمنيته الأخيرة كانت أن يحضن أطفاله الخمسة ويقبلهم، لكنهم رفضوا ذلك"
كان كريم يخشى على نفسه من الاعتقال، كونه عمل في مجال الإعلام. أضطر إلى تغيير عنوانه مرات عدة.
رغم حديثي مع كريم المثقل بهموم واحزان، كانت هناك لحظات ضحكنا فيها. كان صديق لنا يربي طيور الحمام إبان سيطرة (داعش)، وهو أمر كان ممنوعاً حينها.
عمد ذلك الصديق إلى إرسال السجائر، التي منعها (داعش) أيضاً، إلى ابن عمه الذي يسكن في حي آخر مستخدماً الحمام!
خلف ابتسامة كريم، كنت أرى شخصاً آخر. بدا مهزوزاً بعض الشيء وكنت أرى خوفاً في عينيه.
شأن كثيرين من سكان المدينة، يعاني كريم من شحة الماء وانقطاع التيار الكهربائي. وتعتمد أسرته على اسطوانات الغاز المنزلي في طهي الطعام وتسخين مياه الاستحمام.
سكان الجزء الشرقي الموصل يقولون إنهم لن يشعرون بالارتياح والأمان حتى "تتحرر" المدينة كلياً.
قال لي أحدهم:" تخيل أن الموصل أشبه بفصي الرئة، هل بإمكانك أن تعيش معافى بفص واحد فقط؟"
تعقب الخلايا النائمة
يخشى الجميع هنا عودة مسلحي (داعش)، في وقت تستمر القوات الأمنية بتعقب واعتقال الخلايا النائمة.
انضممنا صباح يوم إلى أفراد جهاز الأمن الوطني لتغطية مداهمة لاعتقال مسلحين يشتبه بانتمائهم لـ(داعش).
لقد كانت تجربة سريالية!
كان منزل أحد المشتبه بهم في الشارع الذي قضيت فيه سنين من طفولتي. لدى ترجلنا من سيارة أفراد الأمن الوطني المدججين بالسلاح، تعرفت على جار قديم. تبادلنا أطراف الحديث حول الوضع الأمني. أبلغني أن العائلات المسيحية التي كانت تسكن الشارع غادرت بعد وصول (داعش).
كانت تلك الصدفة شاهداً على تعايش العنف مع الحياة اليومية في الموصل.
اقتحم افراد الأمن المنزل، وألقوا القبض على ثلاثة أشخاص وسط فزع أطفال ونساء العائلة.
قال جهاز الأمن الوطني إن جمع الأدلة عن المشتبه بكونهم عناصر في (داعش) استغرق أشهراً.
تثبيت الأمن في الموصل الآن يعتمد على طريقة عمل القوات الأمنية، وعليها تعتمد أيضاً استعادة الثقة بين القوات والمواطنين من عدمها.
بصيص أمل
في آخر يوم لنا في الموصل، جلنا بالسيارة في مناطق متفرقة. كان أمراً جيداً أن نرى الحياة الطبيعية تعود ولو ببطء. أعادت محال بيع الألبسة النسائية وصالونات التجميل فتح أبوابها. وكان الرجال يرتدون بنطلونات الجينز وقمصان عليها كلمات إنجليزية.
لكن المدارس كانت أفضل مشهد. تزامنت زيارتي إلى الموصل مع أول أسبوع يلتئم فيه شمل مئات التلاميذ بمدارسهم. لم ترسل الكثير من العائلات أطفالها إلى المدراس خلال السنتين الماضيتين بعد فرض (داعش) مناهجه المتشددة.
كان شعوراً رائعاً رؤية جموع الأطفال سعداء عند أبواب المدارس. تحلق الأولاد والبنات بحقائبهم المدرسية حولنا بعد أن جذبتهم كاميرا التلفزيون.
ملأت ضحكاتهم المكان. ورغم الشعور السائد بعدم اليقين وغياب الاستقرار في الموصل، رأيت بصيص أمل للمستقبل.
* م/ موقع BBC



