حسن العاني ـــ الرياضة بين جيلين

أبدو مضحكاً لكوني ما زلت اتعامل مع الرياضة كما لو كنت في مرحلة المراهقة الاولى، أصرخ واشتم واصفق، ولكنني لا اعرف شيئاً عن قوانينها واخلاقياتها، ويحزنني بالطبع ان تختزل كرة القدم اسم الرياضة، فالجماهير لا تنقسم على نفسها الا في هذه اللعبة، لأنها لا تشجع مثلاً الا الزوراء والجوية أيام زمان، ولا تتقاتل الا إكراماً لبرشلونة والريـال، ولا تقارن الا بين مسي ورونالدو.
الصراحة تقتضي الاعتراف بأن شيخوختي تتحول الى مهرج فوضوي حين يلعب منتخبنا الوطني، فأنا أنصره ظالماً او مظلوماً بالمدلول الجاهلي لهذا التعبير، وأريده ان يربح المباراة بأي ثمن، حتى لو لعب كالعادة بخطة غريبة وانانية مفرطة، وفي كل مرة يخسر فيها بسبب سوء ادائه او سوء خطة المدرب، القي باللائمة على أرضية الملعب او الحكم او مراقب الخط.. وبخلاف منتخبنا الوطني ونوادينا التي تتبارى مع اندية غير عراقية، فأنا اصفق عالياً لمن يأتي بهدف جميل سواء كان من البرازيل او الارجنتين او فرنسا ام كان من دارفور او باكستان او جزر القمر..
وبالمناسبة لا أستحي من القول، إن من يسجل هدفاً على منتخبنا، مهما كان الهدف رائعاً، أدعو عليه، وأتمنى لو تعرض الى اصابة تعيقه عن اللعب مدى العمر!أذكر مرة إن رونالدو البرتغالي حقق هدفاً ممتعاً جعلني اقفز من مكاني ناسياً متاعب المفاصل، وفيما كنت اصفق وانثر المدائح بلا حساب على رأس هذا اللاعب، كان احفادي الضليعون بكرة القدم وفنونها وأسماء مشاهيرها واوقات مبارياتها، يقولون: الفضل في تحقيق هذا الهدف للبرازيلي مارسيلو، ولمناولته الذكية، ويبدو لشدة اعجابهم بتلك التمريرة او التحويلة، أقترحوا تغيير قوانين اللعبة، وتسجيل الهدف باسم من يصنعه… وأذكر شيئاً مماثلاً حدث مع الفنان مسي الذي كان احفادي يحبونه أكثر مما يحبونني، فقد وصلته كرة من منتصف الساحة، لا أدري كيف استقبلها وكيف جعلها تمر بين ساقي حارس مرمى الخصم، بحيث مارستُ الدبكة الاسبانية امام التلفزيون، ثم ركضت الى غرفة نومي لاحضار الرشاشة والصعود الى السطح واطلاق احدى وعشرين رصاصة احتفاء بالهدف التاريخي، لولا انني تذكرت بان بيتي خالٍ من رائحة البارود، بما في ذلك مفرقعات الاطفال التي منعتها على احفادي ولم تمنعها الجهات الرقابية عن اطفال الشعب!
الامر الذي فاجأني حقيقة، وصدمني وسرق فرحتي، هو قيام الحكم بالغاء هدف نادر يصعب الاتيان به، وذلك بذريعة (التسلل)، ويبدو ان غضبي بلغ قمته، وشتائمي للحكم ومراقب الخط فاقت المسموح به، وكنت أصرخ (شنو يعني تسلل.. شنو يعني يلغون هدف يخبل.. شنو هاي اللغاوي الفارغه) واحتملني أكبر أحفادي على مضض، وشرح لي معنى التسلل فنياً، ثم أوضح لي الجانب الاخلاقي في القضية، فاللاعب المتسلل الذي يقف وراء الخصم يمارس نوعاً من اللصوصية والطعن غيلة في الظهر، ولأن الرياضة ممارسة اخلاقية، لذلك لا تسمح قوانينها بالغدر والتلصص والطعن!! أقنعني الولد وشعرتُ بالاعتزاز لان احفادي من جيل يتفهم الرياضة واخلاقها.. أما أنا ومن هم أكبر عمراً او اقل عمراً، فمن جيل يرى كسب الاهداف فوق القيم والمبادئ.. مع الاسف!!

