د. لاهاي عبدالحسين ــ المثقف ودعاة الثقافة

لعل أحد الأسباب الرئيسة التي تقف خلف فشل الكثير من النشاطات الثقافية والسياسية من اجتماعات ولقاءات ومؤتمرات علمية وفكرية متنوعة في العراق أنّه ما زال هناك الكثير من الخلط في تسمية المشاركين فيها ممن يطلق عليهم غالباً وصف "نخب" لتكون النتيجة شبيهة بسياسة التوافق سيئة الصيت التي تجمع المتخالفين المختلفين حتى في المسلمات الأولية من حيث النظرة لمعالجة شؤون البلاد والعباد والسعي لحمايتها أولاً وقبل كل شيء. فالنخب تأتي على أشكال منها المثقفون المختصون ومنها رجال الدين ومن ثم أصحاب الوظائف العالية والمهمة في الدولة من قبيل مدير عام ورئيس مؤسسة وسفير وما إليها. ولما كان المثقفون يحظون بالسمعة الحسنة من حيث المكانة الاجتماعية والاعتبارية التي يتمتعون بها فإنّه سرعان ما يخلط بين الفئات الثلاث المشار إليها ليسموا جميعاً وعلى أساس مجازي، "مثقفون". ولكن المجازي هنا إشكالي بسبب إطلاقه دون فحص وتمحيص. فمن هو المثقف! المثقف ليس كل من قرأ وكتب وإدخر معارف كمية وصار يتباهى بها إنّما المثقف كل من تمكن من إعادة إنتاج ما إكتسبه من معارف وعلوم بطريقة يعبر فيها عن نظرته للأمور وبخاصة على المستوى المجتمعي العام.
المثقف ليس كل من مارس وظيفة سياسية أو دينية معينة ولكنّه ظل مخلصاً لتحيّزاته ومواقفه الأيديولوجية التي يعتبرها جزءاً من هويته الشخصية والجماعية وصار يتكلم بها مبشراً وإنْ لم يكن منذراً ومحذراً. والمثقف بالتأكيد ليس كل من عمل ناشطاً وممثلاً لجماعة أو مكون ديني أو مذهبي أو قومي. كما إنّ المثقف ليس كل من حصل على شهادة أكاديمية من مؤسسات أكاديمية لا تبخل على منتسبيها بها متجاهلة المعايير الصارمة والمشددة في هذا المجال التي تفترض القدرة على تحقيق إسهامة معرفية يشهد لها بالتميّز. هذه بعض الاعتبارات التي ينبغي أنْ تؤخذ بالحسبان عندما يصار إلى رعاية نشاط يسعى إلى أنْ يحدث فرقاً على مستوى الدولة والمجتمع وبعكسه فلا عجب من الفشل الذي تمنى به العديد من النشاطات ذات الطابع الثقافي والمعرفي والعلمي بالمقارنة مع وفرتها العددية على مدار العام.
يعرف المثقفون بأنّهم أعضاء في مجتمع يشعرون بعمق الانتماء إليه مما يؤدي بهم إلى أنْ يكرسوا طاقاتهم وجهودهم لتطوير الأفكار الأصيلة وغير المطروقة فيه يقدمونها بطريقة مبتكرة للمساعدة على إنعاشه ودفعه قدماً إلى أمام. إنّهم يشكلون شريحة صغيرة ضمن الطبقة المثقفة التي تتكون من جمع واسع نسبياً من المتعلمين وأصحاب الشهادات والوظائف المهمة في المجتمع. يختلف المثقفون إذن عن الطبقة المثقفة الراعية لهم والتي تقوم بدور الوسيط الاجتماعي والثقافي الذي ينشطون فيه. تتمثل المسؤولية المجتمعية الكبرى للمثقفين بتوفير القيادة والتوجيه الفكري والنظري مما يستوجب أنْ تؤخذ أفكارهم طواعية وباحترام. لا يملك المثقفون سلطة الإلزام ولكنّهم يملكون سلطة كسب ثقة الناس من خلال الأفكار النيّرة والمعالجات العلمية الموضوعية التي يجتهدون بتطويرها ويشاركون بها جمهور متابعيهم والمهتمين بهم. وهم أي المثقفون وبخاصة في بلداننا تراهم زاهدين بالوظائف المهمة والمناصب العليا التي تمنح عادة حسب قواعد محاصصاتية على أساس الدين والمذهب والجماعة العرقية دون الأخذ بالحسبان الحاجة الماسة للخبرات والمؤهلات الإدارية والتنظيمية المكثفة والمكتسبة تعليمياً من قبيل سفير أو دبلوماسي أو رئيس جامعة أو عميد كلية أو رئيس قسم، إلخ. ولما كان المثقفون معنيين بالقضايا ذات الشأن الاجتماعي العام والتي تتضمن الاهتمام بالدين والجماعة والسياسة والاقتصاد، فإنّهم بالتأكيد يضمون بدائرتهم المشتغلين في هذه المجالات شريطة القدرة على الإنتاج المتميز والأصيل وليس فقط جمهور المشتغلين فيها إلى جانب المشتغلين في علوم تقنية فنية أخرى مهمة مثل الطب والهندسة والحشرات والنبات إلخ، الا اذا خرج أي من هؤلاء من ميدانه المحدد ليدخل عالم المعارف الاجتماعية والإنسانية التي تؤهله لمعالجة القضايا ذات المساس بالشأن العام. والمثقفون مجادلون ومفكرون بطبيعتهم مما يجعلهم مكروهين في بلدان تُدار بنظم سياسية تبحث عمن يروّج لها ويهتم بتعبئة الناس لخدمة أغراضها. هذه مهمة تجاوزتها المجتمعات المتقدمة التي تبحث عن الأكثر تميّزاً وألقاً لإدارة مؤسساتها المهمة ولكننا هنا في العراق، لا نزال نعمل وفق المقاييس السائدة التي ألفناها ووثقنا بها منذ عقود من الزمن وإنْ راق لكثير منا أنْ يعتقد أنّه مختلف ومجدد ومبتكر.
المثقفون مستمعون جيدون بمثل ما هم منتجون جيدون في مجالات الكتابة الفكرية والفن والصحافة والنثر الفني والشعر والرواية وغيرها من أشكال العمل الإبداعي. ومثلما يحب المثقفون أنْ يستمعوا بصورة جيدة جداً، فإنّهم يحبون أنْ يكونوا مسموعين ومقروئين. ليس مثقفاً ذلك الذي ينحدر بسهولة إلى ممارسة نزعة الاتهام والوصم والتخندق بمواقف دفاعية تقوم على أحكام عشوائية متسرعة بإسم الدين أو المذهب أو الجماعة العرقية ليختزل الآخر في خانة أنْ يكون مدنياً أو علمانياً أو قومياً أو شيوعياً، سالباً إياه حقه في التعبير والتفكير وتبني موقف فكري معين يرى أنّه الطريق إلى معالجة الكثير من مشكلات الحياة اليومية. ليس مثقفاً ذاك الذي يتوتر من الدعوة إلى إعادة النظر بمفهومات ساهم بالترويج لها الوعي الشعبي المتغطرس المذهبي والعشائري بطبيعته في الغالب الذي يضع الناس في مراتب وفئات من قبيل هذا مؤمن وذاك ملحد كافر معرضاً أبناء الوطن الواحد إلى مخاطر الاستهداف البدني أو الأدبي والأخلاقي من قبل بعضهم البعض. والمثقف لا يحب أنْ يبجّل ويعظّم لأنّه يتعب من مبادلة ذلك بمثله ويقرف من أساليب من هذا النوع بل يأنس بمن يناقشه بالحجة والدليل والفكرة التي ترتقي بالإنسان وتنتشله من قاع الحقد والكراهية والتعصب الأجوف وبخاصة على مستوى لقاءات واجتماعات يراد لها أنْ تكون مثمرة حقاً. ولأنّه مسؤول مسؤولية ذاتية فإنّ المثقف يحترم التزامه بالحضور والمشاركة الفعّالة والمثمرة. لذلك فإنّه لا يكتفي بتقديم ورقته ليغادر على الفور أو بعد حين دون أنْ يعطي لجانب الاستماع والتبادل حيزاً. وهو لا يدخل في صومعة الأحاديث الثنائية أو ينشغل بهاتفه النقال لمتابعة البريد الإلكتروني ويسهم في تصاعد ضجيج القاعات بينما ينبري أحد الزملاء لتقديم فكرته. لا يليق بجمهور المثقفين أنْ يذكروا بآداب الجلسة وقواعدها. هذا ما يحدث غالباً في اجتماعات ولقاءات ومؤتمرات يحضر لها في الغالب بعناية. ولعل السبب في كل هذا يكمن في الطبيعة غير المتجانسة التي أشير إليها ابتداءً الأمر الذي تتضح معالمه عندما يأخذ النقاش مسارات تعبر بوضوح عن الإنتماءات الدينية والمذهبية والعرقية. المثقفون لا يضيقون ذرعاً بوجهات النظر البديلة والمتنوعة والمختلفة. ولكن عندما يحشر المثقفون مع أصحاب الرؤى الثابتة التي لا تتزحزح ممن يتمسكون بوجهات نظر ذات مرجعيات ثابتة يظهر التقاطع بين اتجاهين لا ثالث بينهما. فإما أنْ يصار إلى الدعم الكلي والنهائي وغير المنقوص لطرف منسجم ومتوافق حد التماثل وإما أنْ يصار إلى الرفض الكامل والنهائي وغير المنقوص لطرف مقابل ينظر إليه على أنّه مختلف. وهذا ما يظهر سوء التحضير للنشاط وعدم إعتماد معايير دقيقة وتبني منهجية واضحة ومحددة وليست معقدة، بالضرورة. فإما أنْ تجمع الأطراف المتعارضة من أجل المساعدة على إدماجها وضمان تفاعلها للتوصل إلى نتيجة مستخلصة تستفيد من المكونات الأساسية لتثمر مكوناً واحداً متماسكاً كما في الانتصار لمشروع دولة المواطنة أو "الجماعة الوطنية" على الضد من الدعوة للتعايش السلمي مع دولة المحاصصة الدينية والمذهبية والعرقية والتخلص من منظومة القوانين التي تميز وتفرّق بين أبناء المجتمع الواحد، هكذا مرة واحدة لتستبدل بقوانين موحَدة وموحِدة وإما ألا يدعى للقاء ينتهي بتقديم آيات التهنئة والتبريك للمختلفين المجاملين لبعضهم البعض ممن يرفعون رايات الحرب ضد بعضهم البعض متى ما أختلوا بأنفسهم أو استطاعوا التعبير عن تأوهاتهم الذاتية أمام من يثقون به، ولو قليلاً.
ليس غريباً والحالة هذه أنْ تقام كثير من اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات وفق قاعدة "زيارة وتسيارة"، ليعاد إنتاج واقع الحال بطريقة القراءة الروتينية والمسلكية التي تتردد في إعلان الثورة على أسباب الفشل في بناء الدولة بمؤسساتها المهنية والمسؤولة. معلوم أنّ أوضاعاً من هذا النوع أدت حتى الآن ليس فقط إلى تخلف العراق عن ركب الأمم الناهضة والمتقدمة بتسارع وإنّما أدت أيضاً إلى ضياع الأموال والأرواح والطاقات مما يصعب تعويضه حقاً.
م/ المدى
