تقارير وتحقيقات

زوجة أحد مقاتلي تنظيم (داعش) الارهابي تتكلم عن حبسها في سرداب طيلة 3 أشهر وكيف تم تحريرها

" كانوا يقومون بتلاوة قائمة بأسماء من قُتِلوا … شعرتُ بالراحة عندما سمعتُ بموته، وكنتُ خائفة

زينب سلبي*

"اّه يا محمد يامحمد انظر ماالذي ارتكبوه باسمك "! صرخ جندي عراقي عندما اكتشف السرداب المليء بالنساء والأطفال من الذين حبسهم (داعش)، قبل 20 يوما فقط في الموصل. كانت نبأ ذات العشرين ربيعاً من ضمن الـ 32 المحتجزين من قبل مقاتلي داعش. هي زوجة أحد المقاتلين في(داعش)، الذي كان يحبسها مع أمه وأخواته وزوجة أخيه منذ شهر نيسان. عندما رأتْ النور لأول مرة منذ ثلاثة أشهر، عانقتْ الجندي العراقي الذي ساعدها، وهي تصرخ "شكراً، شكراً لك ياعم ".      

كان الجندي يعني بقوله هذا  النبي محمد، حيث كان  الكثيرون من مسلمي الموصل يستنكرون طبيعة الاسلام التي فرضها عليهم (داعش). لقد فهمتْ نبأ صرخة الجندي. فقد تغيرتْ حياتها بسبب تغيير أفكار أبيها عن الاسلام، الذي اصبح متطرفاً مناصراً لـ (داعش)، وقام باجبار أبنته على الزواج من أحد مقاتلي(داعش) في أيلول الماضي. هي الآن حامل، وتعتبر "زوجة داعشية". أمثالها من النسوة يتم معاملتهن بريبة وكذا الحال بالنسبة لأطفالهن. لقد قامت الحكومة العراقية بانشاء مخيمات لهن مع أطفالهن خارج الموصل لاستجوابهن أو الانتظار حتى يقرروا ما الذي سيفعلونه بشأنهن.

نبأ خائفة، فهي لا تريد ان يتم أخذها إلى مخيم خارج المدينة،  وهي لا تعلم ما الذي ستفعله مع طفلها الذي لم يولد بعد. زواجها مسجل فقط ضمن نظام (داعش)، وهو غير معترف به من قبل الحكومة العراقية. وعلى الرغم من وجود الكثير من التوجس والتمييز ضد أمثالها من النساء في الموصل، إلا ان الكثيرين يقرون بأن فصل أولئك النسوة مع أطفالهن في مخيمات ليست بالطريقة المثلى للتعامل مع هذه المشكلة.

" اّن الأوان للشفاء، يجب علينا ضم أولئك النسوة مع أطفالهن إلى المجتمع وليس فصلهم. إذا ما وضعناهم في مخيمات، فأن الأطفال سيكبرون على الكراهية وذلك لن ينهي القصة، ونحن بحاجة إلى قصة جديدة "، قال علي الرسام الذي يعمل مع المسلة، وهي منظمة محلية تم انشاؤها حديثاً من أجل المساعدة في معالجة الدمار الذي حلّ بالنسيج الاجتماعي للمدينة. الكثيرون من أهالي الموصل يتفقون مع الرسام في تعاطفه، وإلى ان  تُحل المسألة، فقد تمكنت نبأ من البقاء للعيش مع والدتها وأخواتها وأخيها في الموصل، وهي تأمل ألا يكتشف أحد بأنها كانت زوجة لأحد مقاتلي (داعش)، وتأمل فيما إذا تم اكتشاف ذلك فأن السلطات ستتفهم بأنها كانت ضحية – وليست مشتبه بها.

بدأت قصة نبأ في سجن أبو غريب السيء الصيت، فهناك تغير أبوها أنور من كونه أب محب يكسب قوته كخياط إلى  أحد المؤيدين لداعش. لقد سُجن أنور نتيجة التباس، حيث أرسل لزبونه رسالة بالهاتف كان هذا نصها " أغراضك جاهزة "، لقد كان أنور يقصد اللباس الطويل التقليدي الذي يرتديه الرجال العراقيون، الذي كان الزبون قد كلفه بخياطته. لسوء حظه فقد كان الزبون في وقت استلام الرسالة معتقلاً من قبل الشرطة العراقية كونه عضواً في تنظيم (القاعدة)، فتم الاشتباه بكون أنور جزء من العمليات الارهابية المكلف بها هذا الزبون.

في سجن أبو غريب تعرض للتعذيب، وتم تلقينه أيديولوجية (القاعدة)، وبعد تسعة أشهر تم اطلاق سراحه، إلا أنه لم يعد الرجل الذي كان عليه. فقد تحول فكره إلى التطرف، كان انساناً غريباً على زوجته هدى وأطفاله. لقد كانت هدى، أم نبأ شيعية، وعلى الرغم من انهم كانوا متزوجين لعشرين عاماً ولديهم خمسة أطفال، لكن أنور رفض أن يلمسها بعد خروجه من السجن، ورفض ان يأكل من طعامها أو شرب الماء من يديها، فقد اصبح يعتبرها كافرة لكونها شيعية. وبعد عشرة أيام من اطلاق سراحه: خيّرها بين الطلاق أو القتل، واختارت الطلاق. كان مؤلماً بالنسبة لها أن ترى التغيير الذي طرأ على الزوج الذي أحبته بعد تسعة اشهر من السجن.

" كانت العلامات المرسومة على أنور تدل على ما سيحل بالموصل" تقول هدى متذكرة حياتها: " أول ما قاله بعد اطلاق سراحه هو ان تعذيب الحكومة للناس هو ما أدى إلى الارهاب وان الدولة الاسلامية قادمة ".

يبدو ان الأمر كان جلياً بالنسبة لسجناء أبو غريب. فعند وصول (داعش) بعد سنة، كان أنور مؤيدا لهم بالكامل. أطلق لحيته وتخلص من زوجته الشيعية، وتزوج من أخرى سنية، وكان يحاضر لأطفاله عن الاسلام كل يوم من الساعة السابعة حتى العاشرة صباحاً، باسلام تميز بالتطرف والتعصب يختلف عن الاسلام الذي تربوا عليه، وبايع دولة خلافة (داعش) على الفور.

كانت نبأ تبلغ من العمر 19 عاماً عندما أمرها والدها بالزواج من أحد مقاتلي (داعش). " أخذت أبكي عندما أخبرني بأن عليّ الزواج من أحد مقاتلي (داعش). كنت أرتجف، لا أريد ذلك، لكنه هددني: " إذا رفضتي سأخبرهم بأن أمك شيعية وسيقتلونها ". وافقتْ نبأ على الزواج لإنقاذ حياة أمها.

التقت بزوجها في ليلة الزفاف، دخل إلى غرفة النوم وكان لطيفاً معها للدقائق الأولى فقط. " بكى وقال لي أنه يعرف ان الأمر صعب عليك ان تكوني معي وأنتِ لا تعرفيني"، وعندما رفضتُ أن يلمسني اصبح عنيفاً وفرض نفسه عليّ بالقوة " تقول نبأ. استمر الأمر لعشرة أيام الأولى من الزواج، عند مكوثه في البيت وليس في ساحة الحرب.

وعندما التحق بالمعارك من جديد، ترك نبأ مع أهله." كنتُ أخاف من عائلته لاعتقادي انهم من أتباع (داعش)، فكنت أحبس نفسي في غرفة نومي، واخرج منها فقط في أوقات الطعام وأغسل الصحون وأنظف البيت، وأعود إلى غرفتي". عندما كان زوجها يعود في إجازة كانت نبأ تتوسل اليه ان يدعها تزور أمها وأخواتها، وكان يرفض، ولكنه سمح لها لمرتين بزيارتهم، وكان يمسك بذراعيها طيلة الوقت لا يسمح لها حتى بمعانقتهم.

في نيسان من هذا العام، اشتدت المعارك وتم أخذ نبأ إلى المدينة القديمة في الموصل مع نساء أخريات من عائلة زوجها، وتم وضعهن في السرداب مع نساء أخريات من (داعش) – زوجات، أخوات أو أمهات، بلغ عددهن 32 وحبسن كلهن في السرداب لمدة ثلاثة أشهر لم يرين نور الشمس خلالها، وكان يتم اعطائهن ثلا ث تمرات للواحدة منهن في اليوم، وقليل من العدس وماء للشرب من النهر.

" كنت أبكي من الجوع " تقول نبأ. " في السرداب كنا نخاف من بعضنا البعض. لم نكن نعرف بعضنا وماهي عقيدة كل واحدة منا، وكنا نلتزم الصمت. " تمكنتْ من الاتصال بأهلها في أوقات متباعدة لتخبرهم بأنها لا تزال على قيد الحياة، مستخدمة الهاتف الذي كانت قد خبأته في جيبها. لكنها لم تكن تعرف مكان احتجازها. اختفى أبوها ولا يُعرف مكانه لغاية اليوم.

عاشت نبأ مرتدية نفس الثوب لمدة ثلاثة أشهر، وقد تحول إلى قطعة مهلهلة سوداء وبيضاء من أثر العرق. كان زوجها يـأتي كل أسبوع يسحبها من ذراعها من السرداب إلى المطبخ ليغتصبها بسرعة، ويرميها بعد ذلك في السرداب. كان يخبرها: "بأنه سيقاتل دفاعاً حتى عن أخر مؤازر للخلافة وستموتين معي، معاً إلى أخر نفس ". استمر هذا الحال لأسابيع إلى ان أتى خبر قتله، "فقد كانوا يتلون علينا أسماء المقتولين من أجل أن نعرف. شعرتُ بالراحة عندما سمعتُ بموته، وكنتُ خائفة أيضاً ". تقول نبأ

ما كان يفاقم من خوفها، هو امكانية نقلها إلى أحد " الأخوة " من (داعش)، كما كانوا يسمون بعضهم البعض. فعندما تصبح زوجة احدهم أرملة فانها تؤخذ من قبل أخ آخر. لكن ذلك لم يحدث لنبأ. بدلاً من ذلك وجدها الجندي العراقي مع النسوة الاخريات و حررهن من سجنهن.

"بكيتُ طيلة  الساعات القليلة التي استغرقتها للوصول إلى منزل عائلتي، ورأيتُ أمي وأخواتي وأخي، كنتُ أريد أن أتشبث بكل من رأيته، وكنت أريد معانقة كل الجنود الذين التقيتهم في طريقي. وعندما رأيت أخيراً أمي، صرختُ وأنا أرتمي في أحضانها ".

بكت هدى ونبأ وكل أفراد العائلة. " تمنيتُ لو قتلوني لكوني شيعية على ان أرى ماالذي فعلوه بأبنتي" تقول هدى.

كانت نبأ حاملاً في شهرها الرابع عندما تحررت من قبضة  (داعش). وأرادت ان تُجهض الحمل. ذهبت مع أمها إلى عيادة الطبيب، وفي الطريق قالت لأمها: " إذا ما سمعت خفقة قلب لن أجهض الطفل، وان لم أسمع خفقة قلب سأفعل". سمعتْ نبأ دقة قلب، وعلى الرغم ان الطبيب كان متعاطفاً وعلى استعداد للقيام بعملية الاجهاض، فقد رفضتْ. " لا أستطيع ان أقتل طفلي، (داعش) قتلت الناس، أنا لا أستطبع القيام بذلك مع هذا الطفل، سمعتُ خفقات قلبه ولن أقتله".

أبقتْ على الطفل، وهي تأمل أن تعود إلى المدرسة في أيلول، وتتمنى أن تواصل حياتها بطريقة ما  بدون آثار الماضي، ومن المؤكد ان رحلتها هذه لن تكون سهلة. وثائقها الرسمية العراقية تقول أنها غير متزوجة، وزواجها يعتبر غير قانوني، وطفلها الذي لم يولد بعد سيعتبر طفل غير شرعي، وهي تتوجس انها ليست وحدها ستفقد مستقبلها، بل ان مستقبل طفلها أيضاً سيضيع. وبأنتظار ان تحل هذه المسألة، فهي باستحياء تتحدث مع أشقائها وتخبرهم بما حدث لها.

 

* اعلامية عراقية أميركية

م/ المصدر الاصلي

Link:

https://nytlive.nytimes.com/womenintheworld/2017/08/17/wife-of-isis-speaks-out-about-being-held-captive-in-basement-for-3-months-how-she-was-freed/       

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى