دائمًا لوم الضحية.. عطب في مجتمعاتنا أم انكسار؟
مقال لـ”زيا وليد”

22 أيلول 2023
زيا وليد _ ألترا عراق
المراقب لردود الفعل المجتمعية على مستوى الناس البسطاء أو ما يسمى بالنخب الثقافية والسياسية، حول حوادث كبرت أو صغرت، سياسية كانت أم اقتصادية أم خدمية، أو تلك التي تتعلق بالاحتجاجات والثورات، يمكنه رصد حالةً واضحةً للعيان عنوانها: لوم الضحية.
يعمد بعض المنكوبين في بلادنا إلى لوم الضحايا بعد وقوع الحدث أو الجريمة، دون ذكر مُعتبر للمذنب أو المسؤول، في عطب آلي، أو انكسار، ولعل حالة الانكسار النفسي التي تعيشها مجتمعاتنا رسّخت هذا العطب الأخلاقي – الفكري مقابل تغول وتسلّط وفُجر الجهات الحاكمة أو الفاعلة في هذا الصدد، ونحن نرجّح كفة “العجز”، أو “الخوف” من شيء ما، سواء أكان من الحدث ذاته أو الجاني شخصيًا، على حساب نظرية “التعاطف مع الجاني” التي يذهب إليها بعض المفكرين في الغرب.
في اليومين الأخيرين، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تُظهر مواطنين يرومون السفر عبر إحدى شركات النقل الجوي، غاضبين من تأخر رحلتهم لساعات طويلة، وهم يهتفون ضد الفساد والشركة، التي تكرر أداؤها السلبي وإخفاقها في ضبط المواعيد وغير ذلك.
مرة أخرى: بإمكان رصد مئات التعليقات التي تلوم المسافرين: لماذا “تحجزون” تذاكركم على متن هذه الشركة سيئة الصيت؟!.
لا يتمهّل اللائم للحظة في توجيه لومه إلى أقرانه، في شعور يفضح العطب الأخلاقي – الفكري الذي أُصبنا به. ولو تأمل للحظة ببعض المعطيات الممكنة، على سبيل: أن يكون المسافر مضطرًا بسبب الموعد المطلوب، أو الوجهة المطلوبة، أو السعر المخفّض، أو أن شركة الحجوزات الوسيطة قد أقنعته بأن يتوجه إلى شركة الطيران سيئة الصيت. لكن الأسهل أن نلوم المسافرين، ربما لأن ذلك أكثر راحة للضمير، أو أن لوم الضحية يعكس حالة انكسار نفسي، واستسلام أمام الآخر المتسلط: قاتل، فاسد، لص، مقصّر،. إلخ.
وكي نعقد المقارنة التي تربط هذا “الترند” بحالتنا المستعصية، لنسأل (افتراضيًا) هؤلاء اللائمين: ما الغاية من ذلك اللوم؟ – ربما ستكون الإجابة إننا نستهدف عزوف الناس عن هذه الشركة وبالتالي خسارتها، وهي إجابة تبدو لوهلة منطقية، لو كانت في سياق يشجّع على المعاقبة الجماعية، غير سياقنا، ولسببين:
إن استخدام أقصى طاقة من الانتقاد واللوم اتجاه الناس لن “يصفّر” عدد المستهدفين. أي سيبقى من يُقدم على هذا العمل ولا يكترث لنصائحنا، أو لا من يسمعها بالأساس، بل من قد يعتبر شكوى المتضررين تماديًا، بمنطق أقرب لأسلوب المحتلين منه إلى القوى الوطنية.
وعلى فرضية تساؤلية: ماذا لو كانت شركة الطيران – الشائع عنها إنها مملوكة لجهة سياسية متهمة بالفساد – أداة لغسيل الأموال؟.
وهنا، نفترض أن اللائمين “براغماتيون”، ونسأل ما هو أهم: ما الغاية من كسر معنويات المتمردين على فساد أو قتل أو تقصير؟
“ترند” اليوم سيذهب كما ذهب غيره، لكنه مناسبة للحديث عن هذا العطب الموجود في مجتمعاتنا. وُجِدت هذه الحالة خلال انتفاضة تشرين حين بدأ الغضب من مجزرة القناصين يخفت. صار بعض الناس يلومون الضحايا لأنهم خرجوا لمواجهة قتلة! – مرة أخرى نسينا الجلّاد وأمسكنا بالضحية.
يُمكن رصد هذه الحالة على نحو أوسع في ما يتعلق بالانتخابات والمشاركة والمقاطعة: يأس أغلبية المجتمع يقودها إلى مقاطعة الانتخابات، وتبقى أقلية مقتنعة أو مستفيدة من السلطة تشارك في الانتخابات وتنتخب ذات القوى. ومرة أخرى يعود اللائمون الكسالى إلى عادتهم غير الأخلاقية بترك اللصوص والقتلة ولوم المجتمع.. أي مجتمع؟ – المستهدف مجددًا هو “تصفير” عدد المشاركين في الانتخابات، دون النظر إلى استحالة هذا المطلب ووجود فئات مستفيدة وموظفين ومنتمين ومغيبين طائفيًا أو قوميًا.



