قاسم حسين صالح ــ الانتخابات.. بين الهوس والفوضى والتيئيس

تحليل سيكوبولتك
ينفرد مشهد انتخابات (2018) بثلاثة أحداث ما حصلت من قبل، هي: تعدد القوائم الانتخابية التي بلغت (55) قائمة و(13) ائتلافاً رئيساً، وانشقاقات وتفكك قوى كانت مؤتلفة، واتحاد قوى كانت مختلفة، مصحوبة بثلاثة أمزجة سياسية: الهوس والفوضى والغموض.
فعلى صعيد أحزاب الإسلام السياسي الشيعي حدثت تطورات خطيرة أبرزها أن حزب الدعوة الذي تولى السلطة في العراق منذ العام 2005، انفرط عقده وقرر الانسحاب من الانتخابات سامحاً لأعضائه بالترشح بصفتهم الشخصية ليكونوا أحراراً في الاختيار بين قائمتي الخصمين العبادي والمالكي. وقبله انشق السيد عمار الحكيم عن المجلس الأعلى ليخوض الانتخابات هذه المرة بتحالف (الحكمة والبناء)، فضلاً عن تحالف (الفتح المبين) الذي يرأسه هادي العامري، ويضم عصائب أهل الحق والمجلس الإسلامي الأعلى، الذي أعلن مؤخراً عن توحده مع قائمة السيد العبادي.
وللمرة الأولى في تاريخ العراق السياسي، يحصل تآلف بين حزب ماركسي وتيار إسلامي، يتطور الى تحالف انتخابي بين الحزب الشيوعي العراقي والتيار الصدري المتمثل بحزب الاستقامة الوطني، بتحالف حمل عنوان "السائرون نحو الإصلاح"، يضم أيضاً التجمع الجمهوري برئاسة سعد عاصم الجنابي الذي لم يحصل في الانتخابات السابقة على أيّ مقعد. وتحالف السيد إياد علاوي الذي حصلت قائمته على أعلى الأصوات في انتخابات 2010 وأغلب المقاعد في البرلمان مع السيدين سليم الجبوري وصالح المطلك. وشهد التيار المدني خروج الحزب الشيوعي الذي كان حليفه في الانتخابات السابقة.. ووصل عدد القوائم الانتخابية التي تحمل شعار المدنية الى أربعين حزباً وكياناً سياسياً من مجموع 204 سجلتها مفوضية الانتخابات.. وتصاعدت حمى الهوس لتطلق بعض الكيانات على نفسها مسمّيات من قبيل:(تجمع القلعة)، (عراق الأرض)، (التيار الوطني العشائري)، (برلمان الشعب)،..و(ثأر الله)!.
فماذا يعني هذا الهوس واللهاث على السلطة، وهذا العدد الذي يفوق عدد الأحزاب التي ترشح للانتخابات في دول الاتحاد الأوربي مجتمعة؟!
بدءاً نقول إنه ما من أحد، باستثناء الحكماء والزاهدين من رجال الدين، لا يحب كرسي السلطة، لأنه يجلب الرفاهية له ولعائلته، ويمنحه اعتباراً اجتماعياً ومكانة مرموقة. والاختلاف بين الساعين الى الفوز في الانتخابات يكون في تغليب مصالح الوطن على المصالح الشخصية، أو العكس.
واستناداً الى التحليل السيكولوجي، فإن عقل السياسي العراقي في السلطة (أكرر.. في السلطة) تبرمج عبر أربع عشرة سنة على أن السياسة في العراق هي لعبة مصالح شخصية وليس برامج وطنية، وإن الشاطر فيها هو من يتحالف مع أشخاص أو كتل تضمن له البقاء في الحكم والاستمتاع بالثروة ولا يعنيه فقر الناس وخراب الوطن. فضلاً عن أن انتخابات 2018 اثبتت حقيقة سيكولوجية كنا قد أشرنا لها هي أن حب الاستفراد بالسلطة يؤدي عبر الزمن الى التنافس حتى بين الأشخاص الذين ينتمون الى كيان أو حزب واحد، والى تغيير معتقدات إن تطلب الأمر، دليل ذلك ما حصل الآن في أحزاب الإسلام السياسي الشيعي والسني، وتحول قيادات سياسية من (إخوانية) الى (مدنية).
ويختلف الرهان على الفوز من تحالف الى آخر ومن قائمة الى أخرى. فكتلة السيد العبادي تراهن على وعده بالإصلاح ومحاسبة الفاسدين وتحقيقها النصرعلى الإرهاب، وتحالفه مؤخراً مع كتلة بدر وقيام كتلتيهما بتغيير اسميهما من (النصر والاصلاح) و(الفتح المبين) الى (نصر العراق).. ليضمن بذلك ولاية ثانية تحظى بتأييد اميركي وقبول ايراني معاً، فيما يراهن السيد نوري المالكي على رصيد حزب الدعوة وتاريخه الذي يمتد الى اكثر من ستين عاماً وما حققه في ولايتيه من أعمال يعدها انجازات. وابتعد السيد عمار الحكيم خارج السرب ببرنامج يلفه الغموض مراهناً على كسب الشباب بوصفهم الشريحة الأوسع جماهيرياً والأكثر معاناة من البطالة، الى مساء الأحد (14 الشهر الجاري) حيث أعلن فيه التحاقه بكتلة السيد حيدر العبادي التي صارت تضم (18) حزباً وشخصيات من التحالف الوطني لغاية كتابة هذه المقالة.
وعلى ايقاع آخر، يراهن السيد إياد علاوي على الفوز في الانتخابات بتحالف يضمّ شخصيات شيعية وسنية وتكنوقراط وأكاديميين بتشكيلة يراها محللون أنها واقعية وعملية، برغم وجود أشخاص فيها متهمون بالفساد، وهي حالة تكاد لا تخلو منها القوائم الخمس والخمسين.
اللافت أن التحالف الذي يضم التيار الصدري والحزب الشيوعي العراقي، كلاهما يلتقيان في هدف واحد هو انتشال الدولة من أفسد حكومة في تاريخ العراق والمنطقة، فالصدريون رفعوا شعار (شلع قلع) ونظموا تظاهرات مليونية، واحتلوا المنطقة الخضراء وارعبوا الفاسدين، فيما الحزب الشيوعي العراقي مشهود له بالنزاهة وقيادته للتظاهرات منذ شباط 2011 ولغاية الآن.. وهي ظاهرة صحية بتغلّيبهما مصلحة الوطن والمواطن على ما يحملانه من فكر وتنظير ومعتقدات متضادة، وتقاربهما أيضاً بأن ضمت قائمة حزب الاستقامة كوادر أكاديمية وشخصيات تكنوقراط مستقلة، بتحالف حمل عنوان "السائرون نحو الإصلاح"، الذي يضم أيضاً التجمع الجمهوري برئاسة سعد عاصم الجنابي الذي لم يحصل في الانتخابات السابقة على أي مقعد . وفاجأ السيد مقتدى الصدر مؤخراً (الأحد 14 الجاري) بتوجيه نقد شديد للسيد حيدر العبادي لتحالفه مع قائمة السيد هادي العامري واصفاً التحالف بأنه "بغيض وطائفي مقيت" معزياً الشعب العراقي لما آلت اليه التحالفات.
وعلى ايقاع مقارب، فإن التحالف المدني الديمقراطي برئاسة علي الرفيعي الذي يضمّ تجمع من أجل الديمقراطية، وبصمة العراق، والمبادرة الوطنية لغسان العطية، يضم أيضاً شخصيات وطنية وأكاديمية وتكنوقراط، ويهدف في برنامجه الانتخابي الى اقامة دولة مؤسسات مدنية.
ومع هذا الهوس والفوضى والغموض والانشقاقات والإرباك، فإن ما يؤسف له، أنّ محللين سياسيين أخذوا يشيعون عبر الفضائيات (سيكولوجيا التيئيس) بأن نتائج الانتخابات ستأتي بنفس الفاسدين، دون أن يدركوا بأنهم بعملهم النفسي هذا يرتكبون خطيئة وطنية، ولا يدركون أن وسائل اغراء وخداع الناخب العراقي (قطعة أرض، بطانيات، موبايلات، فلوس..) ما عادت تجدي الفاسدين نفعاً، مع علمنا بعدم عدالة قانون الانتخابات ومحاولة الفاسدين الدخول في قوائم بمساومات (تزكية).
ونصيحة من شخص قضى نصف عمره في (السيكولوجيا).. إن ارتباك المشهد السياسي الآن هو لصالح المواطن، إن توقف المثقفون عن إشاعة ثقافة الإحباط وأجاد الآكاديميون والكتّاب السياسيون فنّ اقناع الناخب بأن زمن سقوط السياسيين الفاسدين قد بدأ، وإن 2018 ستشهد تشكيل محكمة لمقاضاة الفاسدين تنقل أحداثها الفضائيات لتعيد إحياء الضمير الأخلاقي الذي أماته قادة أحزاب الإسلام السياسي الذين اعتبروا الوطن غنيمة لهم فنهبوه، وأفقروا شعبه وأذلوه.. وليثبتوا من جديد، بأن تاريخ العراقيين يؤكد بأنهم ما استسلموا لضيم وما رضخوا لظالم ولا انبطحوا لسلطة، وسترون بأن الأيام ستثبت مقولة.. إن غدا لناظره قريب.
المدى


