عن ماري التي تعلمني الحكي لا اللغة فحسب ..

وصلت ماري اليوم إلى المكتبة غارقة بماء المطر الذي فاجأها وهي تقود دراجتها في طريقها إلى لقائنا الأسبوعي، جلست إلى طاولة بقرب النافذة المطلة على قنال أمستردام تجفف نفسها. قمت أنا من توي لأحمل لكلينا فنجاني قهوة دافئين، ثم بدأت بفتح الأوراق والدفاتر لنبدأ محادثتنا، فليس من السهل أن تبدأ ماري بالحكي، لكن متى بدأت نصير نفهم بعضنا بأقل اللغة.
ماري الستينية التي تطوعت لتدرسني اللغة، تقطع أربعة كيلومترات بدراجتها أسبوعياً للقائي. تأتي من جنوب أمستردام إلى السنتروم، تشرب فنجانها في غضون دقيقتين وتفتح أوراقها عند الفكرة الأخيرة التي توقفنا عندها في درسنا السابق.
قبل أشهر حين بدأت دروسي مع ماري كان الخوف من أن أقول الأشياء في غير زمانها أو مكانها الصحيح أكبر من كل ما أتعلمه. وكنت قد طلبت من الجامعة التي أدرس فيها اللغة الهولندية دروساً خصوصية تساعدني على حسن النطق والتعبير، لا سيما أنك أمام لغة وثقافة تعلمك كل يوم معنى أن يكون فعلاً لكل مقام مقال، وأن تقتصد في التعبير عن مشاعرك وتحفظ المسافات العاطفية مع محدثك, كأن تقول أقل بكثير مما تشعر أو تفكر.
لكن مع ماري تعلمت خطوة بخطوة أن أترك نفسي على رسلها، ألا أخاف كثيراً من سوء الفهم الذي قد ينجم عن محاولة الموازنة بين لغتين وثقافتين بينهما من الاختلاف الكثير وأن علي محاولة الموازنة بينهما بحيث لا أرهق نفسي الشرقية المرهفة بما هي عليه ولا أربك في المقابل سبل تواصلي مع لغة وثقافة أعيش وسطها الآن إلى زمن قد يطول كثيراً.
مع ماري أتعلم الحكي، لا اللغة، أتعلم أن أعبر بالهولندية عما أحسه بالعربية، أحكي لها عن مشاعر أحملها أو مواقف حصلت معي خلال الأسبوع وهي تروح تعلمني كيفية الإخبار التعبير عن ذلك بالهولندية.
أحياناً نجلس ساعة كاملة نلف وندور لنصل إلى جملة صحيحة تعبر تماماً عما أقصده؛ ماري تفهمني من أول حرف، من نظرة، أحياناً باتت تتوقع الفهم من خلال شخصيتي وظروفي، ثم تدفعني إلى قول نفسي كما فهمتها وكما يسهل على الآخرين هنا فهمها.
لذا أحس أنني أعيد اختراع اللغة، أني أحصدها بعد زرع، لا أني أتعلمها، شيء يشبه أن ترى نفسك وما تضمره في المرآة.
كثيراً ما باتت طرق تعبيرنا تتقاطع وتتكامل حتى دون طلب منا؛ أروي لها أشياء من حاضر أيامي أو ماضيها فتتذكر من خلالها حوادث وأشخاص من حياتها، وحين تروي لي ذلك لي بالهولندية أحس وأفهم ما تقوله بعربية صافية كأني أتلقاها الآن من جدة بعيدة.
الأسبوع الماضي حين كتبت نصي للجامعة عن حكاية الأمير الصغير ورواجها كمسلسل كرتوني في زمن طفولتنا في الثمانينات، تأثرت ماري بشدة وروت لي الكثير من زمن طفولتها، ثم عادت في لقاءنا التالي بكتاب الأمير الصغير باللغة الهولندية كهدية. لم أحس حينها إلا وكأني ذلك الطفل الذي أهدي الكتاب ذاته باللغة العربية ذات يوم بعيد وأن النسخة العربية التي ظلت في حلب وجدت طريقها الآن إلى أمستردام.
في نهاية درس اليوم أبلغتني ماري أنها مسافرة إلى إسبانيا لأسبوعين وأننا لن نستطيع الالتقاء قبل نهاية الشهر المقبل. سكتت للحظة، ثم استخدمت جملة جديدة علمتني إياها، أحسستها وفهمتها، لكن لا أجد سبيلاً إلى ترجمتها إلى العربية، وهذا أشعرني أنني على مستوى آخر من التواصل مع ماري.
سأراكم جملاً ومشاعر كثيرة على دفتري حتى عودة استاذتي من إسبانيا، ثم مرة جديدة سأجدني أكثر صفاء في هذه المرآة الهولندية، ولربما أكثر نقاء وصدقاً، تماماً كصفاء عيني ماري الستينية وهي ترويني لنفسي، وتعلمني كيف أروي هذه النفس بلغتها لذاتي وللآخرين.
حازم درويش
م/ ص.الحياة




