المرأة والمجتمع المدني

سلمى سمر دملوجي في أكاديمية الهندسة المعمارية الفرنسية

ضمت أكاديمية الهندسة المعمارية في باريس المهندسة العراقية اللبنانية سلمى سمر دملوجي إلى عضويتها في بادرة تقدير مهنية وشخصية. وأقامت الأكاديمية العريقة التي تأسست عام ١٩٥٣ لهذه المناسبة حفلة سلطت خلالها الضوء على سيرة دملوجي المهنية وأسلوبها المتميز في أداء مهنتها منذ تخرجها من أكاديمية الهندسة المعمارية البريطانية.

عملت دملوجي، التي ولدت في بغداد وأقامت بين بيروت ولندن، في الظل وابدعت بصمت، بعيداً من النجومية التي تلف سيرة عديدين في مجالها المهني. لم تبن منشآت حديثة ولا أبراجاً ولا صروحاً فخمة، وآثرت أن يكون محور عملها البيئة والعنصر البشري، خصوصاً ربط التراث بالحاضر.

وفي كلمته خلال حفلة انضمام دملوجي إلى الأكاديمية قال رئيسها بنجامان موتون إن دملوجي حولت المنفى (نظراً إلى إقامتها خارج العراق) إلى «أداة عمل هندسية» ورسمت لمهنتها «صورة مليئة بالنفس والحكمة والامل».

وقالت مديرة مدرسة شاييو للهندسة المعمارية ميراي غروبير إن دملوجي تمسكت في إطار أدائها المهني «بهذا البعد الإنساني الذي جعلته محور نشاطها» واستعانت «بالتراث باعتباره رافعة للتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي».

واختارت دملوجي في مداخلتها خلال الحفلة استعراض المحاور الرئيسة التي يتضمنها الكتاب الذي تعده عن المعماري المصري حسن فتحي والمقرر أن يصدر في الربيع المقبل.

وأوضحت أن فكرة الكتاب كانت نائمة في ذهنـــها منذ عــــقدين وأوقظت من خلال حصولها على جائزة «غلوبال أوارد» والنص الذي كتبه لاحقاً حول عملها المفكر الراحل عبدالوهاب مؤدب، وكأنها بذلك تريد إكمال حلقة ارتسمت منذ أعوام ولا بد من إغلاقها.

فضلت دملوجي الطين على الاسمنت والفولاذ وما هناك من مواد بناء حديثة، وعملت على إحياء المدن من ركامها فأعادت بناءها وزودتها بما تقتضيه متطلبات المعيشة في عصرنا لتكون قابلة للاستخدام.

وبأسلوبها هذا، أرادت أن تؤكد باستمرار أن التراث قابل للتفاعل والاستمرار في ظل التطور وأن مهنة البناء كما مارستها هي بدورها عملية تفاعل وتبادل للخبرات بين المهندس وعامل البناء الذي اختزن معرفة لا تلقنها أي مدرسة.

هذا النهج جاء وليد لقاء بين دملوجي عندما كانت في أوائل دراستها الهندسية والمعماري المصري الشهير حسن فتحي الذي عملت إلى جانبه في مصر وتتلمذت على أنماط الهندسة الاسلامية ومفاهيمها، وعلى أهمية التناسق والانسجام بين العمارة وبيئتها.

قناعاتها ومفهومها لمهنتها حملتها على التنقل بين دول عربية عدة منها مصر وعمان والإمارات العربية لكن الجزء الأكبر من نشاطها تركز على اليمن حيث عملت في صنعاء وشيبام ثم في حضرموت حيث عملت على ترميم مواقع أثرية في مدينة دوعان بالتعاون مع المؤسسة التي تحمل الاسم نفسه.

عملها في دوعان استمر إلى حين اشتداد وطأة الحرب اليمنية التي أجبرتها على الانكفاء والتفرغ لرئاسة قســـم الهندســـة الإســلامية في الجامعة الأميركية في بيروت، لكنه جعلها تحرز عام ٢٠١٢ جائزة «غلوبال أوارد» السنوية التي تمنح في إطار مدرسة شاييو الباريسية للهندسة المعمارية.

وإذا كان هناك من أسف تبديه دملوجي في شأن مهنتها فهو افتقارها المتزايد لمعلمي العمار الذين يمتلكون أصول المهنة، وعدم تمكنها من القيام ببرامج تأهيل للشبان من عمال البناء والمهندسين، بسبب عدم رغبتهم بالتوجه إلى أرياف نائية.

ولذا فهي تعمل بلا كلل على إعداد الكتب المتتالية التي توثق أنماط الــبناء التراثية أملاً بإبقائها في متناول الأجيال، خصوصاً في ظل تفشي ظاهرة المضاربة العقارية في الشرق الأوسط التي عممت في المنطقة مباني لا صلة لها بطبيعة الحياة فيها.

لكنها غير متمــسكة مطلقاً بالماضي، بل تحب الأعمال الهندسية المعاصرة، لكـــنها تأخــذ عليها تغييبها الواقع الاقتصادي للسكان الذي أدى إلى تدهور في نوعية معيشة الملايين من السكان في الدول المختلفة.

أرليت خوري

الحيــاة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى