ساطع راجي ــ الرعب العشائري

تقارير إعلامية كثيرة تحدثت عن النزاع العشائري في ميسان والمواجهات المسلحة نتيجة الصراع على منفذ الشيب الحدودي؛ المشترك الأهم بين جميع التقارير هو عدم تسمية أطراف المواجهة؛ فقد امتنع الجميع عن كشف اسم العشائر المتصارعة واشترك في الصمت المواطنون العاديون والمسؤولون الرسميون والضحايا من الجرحى وذوو القتلى؛ وهو صمت لا نجد مثيلاً له في كل حالات الصراع والعنف الأخرى، حيث يتم توجيه الاتهامات الى اطراف رسمية وغير رسمية وجماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية بسهولة، وأحياناً بلا أدلة وترد أسماء قوى سياسية وحزبية وشخصيات عامة وهو ما يعني أن العشيرة تحولت الى مؤسسة رعب لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها.
لرؤساء السلطات الثلاث علاقات قوية ومباشرة بشيوخ العشائر، إذ يلتقون بهم باستمرار ويحضر هؤلاء الرؤساء في المؤتمرات التي تنظمها العشائر وأحياناً يمنحون رعايتهم لها، وهذه المؤتمرات بذاتها تشكل ظاهرة جديدة تستحق الدراسة لأنها تفتح باب الالتباس بين كون العشيرة مؤسسة قرابية أو منظمة سياسية؟؛ كما لجميع الزعماء السياسيين والحزبيين علاقات بشيوخ العشائر وللأحزاب مكاتب عشائرية؛ وللمرجعيات الدينية علاقة قوية بشيوخ العشائر؛ وفي العراق اكثر من جهة رسمية تدخل العشائر في نطاق عملها وبخاصة الوزارات الأمنية، لكن كل هذه العلاقات وما يصاحبها من انفاق وأحياناً تسليح، لم تسهم في تحول العشائر الى عامل استقرار؛ بل جاءت النتيجة عكسية؛ واستمرت العشائر في فرض مصالح تجارية وسلطوية وفي التجاوز على المال العام والإساءة الى موظفي ومؤسسات الدولة.
العلاقات القوية للمسؤولين الرسميين والقادة الحزبيين بشيوخ العشائر لم تمنع نزاعاً عشائرياً واحداً، بل إنها منعت تسمية الشيوخ المسؤولين عن النزاعات، وبينما يبرر الزعماء الحزبيون منهج التنازل للعشائر بالتعاون بين الدولة والعشيرة يبدو أن الأخيرة تسخر من الأولى وتخيفها، حيث لم يجرؤ مسؤول رسمي أو جهة حكومية على مطالبة الشيخ الذي يأكل من قصعة الدولة بموقف حازم يؤكد فيه التزامه بالتعاون مع الدولة ويسلّم سلاح عشيرته للسلطات الأمنية التي خضعت بدورها لهيمنة العشيرة، حتى اضطرت محافظة ميسان للاستعانة بقوات من خارج المحافظة لا يخضع أفرادها للعشائر والشيوخ المتصارعين.
في أوقات الغنائم والمكاسب يتصارع الشيوخ لإثبات وجودهم وتأكيد مشيختهم والهتاف والرقص للزعماء الحزبيين والمسؤولين الرسميين، لكنهم يختفون تماماً من المشهد عندما تنشب النزاعات المسلحة على قضايا تافهة أو سرقات وصفقات فساد، وفي اكثر من حالة وقف الشيوخ الى جانب ابناء عشائرهم من الفاسدين والخارجين عن القانون وساندوهم ليس ضدّ مؤسسات الدولة فقط، وإنما ضدّ قادة سياسيين ودينيين، وضدّ مواطنين لهم حقوق، وضدّ موظفين حكوميين يؤدون واجباتهم بطريقة مخزية تكشف تخلي هؤلاء الشيوخ عن كل القيم التي يدعون الالتزام بها وحمايتها؛ إنهم يقفون دائماً الى جانب المال ولاشيء غير المال في تذكير سيئ بمواقفهم وعلاقاتهم بالسلطة في تاريخ العراق المعاصر.
العشيرة عندما تعكر الأمن وتستولي على المال العام وتدعم المجرم وتثير النزاعات تتحول الى مجموعة خارجة عن القانون ولا تختلف عن أي جماعة إرهابية، بل إنها تتجاوزها في اثارة الرعب الى حد يمنع حتّى المسؤولين الرسميين واعضاء مجالس المحافظات ورجال الشرطة من النطق بإسمها وتستسلم لها الشركات الاستثمارية أو تغادر نشاطها ليحل محلها من يرتضيه شيوخ العشائر الذين لا يهتمون بمصالح ابنائهم من الفقراء ولا يسخرون علاقاتهم وقوتهم لتحسين الواقع الخدمي لمناطقهم بمقدار اهتمامهم بجني الأرباح عن التخادم السياسي.
لقد انتهى الدور الكريم للعشيرة وهي اليوم تعتاش من ضعف مؤسسات الدولة وعلى ما تسلبه من المال العام وبقوة سلاحها، ويعرف هؤلاء الشيوخ أن قوتهم بضعف الدولة وما يعقدونه من مؤتمرات تدّعي دعم الدولة هو محض احتيال للتكسب السياسي وبناء علاقات بساسة بدأوا بناء النظام الجديد بنفس الحجارة التي اعتمد عليها النظام السابق وليتهم اختاروا الحجارة القوية بل تمسكوا بالأحجار الأخيرة التي استعان بها في أيام ضعفه وتهاويه لتكون هذه الحجارة أساساً هشّاً للبناء الجديد، فتغلبت القرابات والمصاهرات ليس على مؤسسات الدولة فقط بل حتى على التنظيم الحزبي ولذلك تتهاوى الأحزاب تباعاً، وتنشأ بدلاً منها عوائل إجرامية.
المدى
