د. اثیر یوسف حداد ــ الاقتصاد الریعي قاتل الدیموقراطیة

منذ مدة لیست بقصیرة، انشغل تفكیري عن سبب فشل انشاء، ولا حتى نمو طفولي للدیموقراطیة في بلداننا، بینما ضربت الدیموقراطیة جذورها في دول شرق آسیا و تتنفس فیها الدیموقراطیة تحتاج الى حیّز لممارسة نشاطها، فهي لا تمارس نشاطها في حیز غیر محدد المعالم، وهذا الحیز هو البلد أو الوطن. أو بتعبیر أكثـر دقة في حیز الدولة. هذا الحیّز یتمیز بدستور وتعریف محدد سیاسي للوطن و فصل السلطات وحقوق للمواطنین متساویة، وبناء اجتماعي ممثلاً بقوى سیاسية تمثّل المجتمع على أساس أفقي ولیس عمودياً.
إنشاء مفهوم الدولة الأمة مع نشوء البرجوازیة، أو بتعبیر اكثر تداولاً سیادة الرأسمالیة. فقد قضت الرأسمالیة على حكم النبلاء وحكم الاقطاع المتحالف مع الكنیسة، و تحدیداً الكاثولیكیة منها، ویشير البعض الى دور البروتستانتیة في تطویر الرأسمالیة، لكن هذا الأمر خارج إطار هذه المقالة ویحتاج الى مجالات أخرى في تناولها.
وجدت البرجوازیة أن من مصلحتها الحركة الحرة لرأس المال وانتقال العمل، وكان یقف ضد هذا الاقطاع والكنیسة، وبخاصة نظام النبلاء الذي یحتقر العمل ویعتبر قیمة الانسان بنسبة. هذا النظام دعم بقوة من قبل البطریریكیة الكنسیة أو الدینیة إن شئت. وكان النظام الاقطاعي مبنياً على سطوة النبلاء على مقاطعات معینة یمارسون فیها قوانینهم الخاصة على الفلاحین ضمن مقاطعتهم. اي بكلمة أخرى لم یكن هناك قانون جامع لجمیع اجزاء ذلك البلد أو الدولة التي لم تكن امة.
احتاج النظام الرأسمالي الى اعادة تنظیم المجتمع لیس على أساس المقاطعات وملكیات النبلاء و الكنیسة، بل الى تنظیم أوسع، وهنا ظهر مفهوم الأمة الدولة في اوربا واتفاقیات ترسیم الحدود بین الدول الاوربیة. فأنت حین تجوالك عبر السیارة أو القطار في اوربا الغربیة الیوم لا تجد ایة حدود طبیعیة تفصل بین بلد وآخر لولا اعلان یرحّب بدخولك دولة جدیدة أو نقطة امنیة تسألك عن جواز سفرك أو هویتك. وبهذا كانت البرجوازیة تضمن مصالحها ضمن هذا الاطار السیاسي المسمّى بلد. فشرعت القوانین والاتفاقیات الدولیة لضمان مصلحة رأس المال الوطني. إلا أن النقلة النوعیة هذه لم تترك بقیة تشكیلات البلد على حالها السابق. حیث أن قیمة العمل بدأت بأخذ شكل الأجر بدل السخرة لأن الرأسمالیة لا یمكن أن تقوم إلا على اساس الأجر مقابل ساعات معینة من العمل. وبهذا وبعد أن ضمنت البرجوازیة هذا الجانب وحدت المقاطعات السابقة في بناء جدید یسمّى الدولة أو الوطن، أو الامة عبر دستور شامل یطبّق على جمیع أجزاء تلك الأرض. وباعتقادي فإن فلسفة الدیموقراطیة جاءت بعد انشاء الأمة الدولة. وكان للمثقف دور بارز لا بل حاسم في بناء فلسفة الدیموقراطیة.
لنعد الى سلسلة الموضوع، الرأسمالیة تنشئ الأمة الدولة. لیس على اساس حقوق النبلاء الاقطاعیین، بل على أساس التحالف بین العمل ورأس المال ضد التحالف القدیم بین النبلاء- الإقطاعیین والكنیسة، وتفلح في ذلك بنجاح باهر. حیث حققت البرجوازیة الاوربیة نجاحات باهرة في مجال التنمیة الاقتصادیة والعلوم والحریات الفردیة والثقافية لا بل نقلت تلك المجتمعات الى مراحل متقدمة جداً. وارجو أن لا یفهمني أحد بانني أمجّد هذا المجتمع دون نقده، بل لأنني هنا لست في مجال تقيیم المجتمع الرأسمالي، بل فقط في مجال علاقة الرأسمالیة بالأمة الوطن، وهو مجال نشاط الدیموقراطیة عبر المؤسسات والقوانین ومبدأ المواطنة بدل نبلاء العبید، ففي المجتمع القبلي والاقطاعي یسود مفهوم الأسیاد والتوریث بدل اختیار المواطن أو العقد الاجتماعي، قلة تمتلك الاغلبیة المطلقة للثروة، وهناك اغلبیة بین جیّاع و معدمین. ولیس هناك ابلغ من مقولة آدم سمیث، مؤسس علم الاقتصاد ومنظّر الرأسمالیة في الربط بین حریة الفرد و الرأسمالیة، حیث یدعو سمیث الى “دعه یمر دعه یعمل“. ففي مؤلفه ثروة الأمم عام 1776 یدعو آدم سمیث الى “ تعزیز المبادرة الفردیة، والمنافسة، وحریة التجارة. بوصفها الوسیلة الفضلى لتحقیق اكبر قدر من الثروة والسعادة“. ولا یخفى هنا الربط بین الحریات الفردیة وسیادة الرأسمالیة.
النفط دم الشیطان
تأسست دولنا نتیجة للصراع الدولي لتقسیم الأسواق، وهي لیست الدول الوحیدة في ذلك، فدول جنوب شرق آسیا، التي یطلق علیها الیوم النمور الآسیویة، بعض منها مر بذلك. ولم یكن همّها انشاء مجتمعات دیمقراطیة، بل كویكبات تدور في فلك النجم الكبیر الشمس. لن أطیل في هذا المضمار لأنه خارج اطار الموضوع. ما بعد “الحریة كما تسمّى في الأدب السیاسي یقصد بها بناء نظام سیاسي مختلف عن الذي سبقه. واصبحت مفردة الحریة ملاصقة ومرتبطة فقط بالاستقلال من الاستعمار. ولم یتطور هذا المفهوم عندنا لغاية هذا الیوم بعد ما یسمّى بثورات التحرر الوطني، اعتمدت السلطة على النفط كدفع أجور لقطاع العمل وربطت القطاع الخاص بسلطة الحكومة، عبر حصر جمیع المشاریع الاقتصادیة بید الدولة. بتعبیر آخر لم تتشكل عندنا برجوازیة وطنیة مستقلة من مصلحتها بناء الدیموقراطیة، واخص هنا بالبرجوازیة الصناعیة. فمذ الارتفاع الهائل في اسعار النفط في سبعینیات القرن الماضي، ظهرت عندنا طبقة برجوازیة أقسمها الى:
1- برجوازیة بیروقراطیة
وهي المسیطرة على جهاز الدولة وتتكون ثروتها من الاجور والمرتبات و الكومشنات والفساد، لیس من مصلحة هذه الطبقة إطلاقاً تطور مجتمع دیموقراطي عراقي یحاسبها لا بل هو من یختارها أو یزیحها. لا بل أن من مصلحة هذه الطبقة بقاء المجتمع متخلفاً في وعیه وتعلیمه، لأنها لا تحتاج له، فالدخل یتولد عبر التصدیر للنفط فقط وفتح حسابات في البنوك تودع فیها ایرادات النفط. أما المیزانیة العمومیة، فإنها مابین المصاریف والإیرادات، لا دور آخر لها، بینما في الدول المتطوره فدورها خطیر اقتصادیاً و سیاسیاً.
2- برجوازیة طفیلیة
وهي الفئة الملتصقة بقمة السلطة، ومن القطاع الخاص، وتمارس نشاطها عبر مناقصات تعلنها الدولة، وهي بالتالي تتكون ثروتها ودخلها من المشاریع الحكومیة تحدیدا، ولیس بشكل مستقل عن سیاسة الحكومة الاقتصادیة ، لابل ترتبط هذه الفئة مع الاقطاب المهمة وصاحبة القرار في قمة السلطة وبالتالي تدافع عن مصالحهم.
ملاحظة قبل الختام :
البرجوازیة التقلیدیة أو الغربیة إن شئت، لها مصلحة في تحسین المستوى المعيشي للمواطنین، ولكنها ضد اعادة توزیع الثروة. والسبب في انها ترغب في ارتفاع دخل المواطن لأن ذلك سیؤدي الى زیادة استهلاك المواطن، مما یزید من دخولها.
أما البیروقراطیة والطفیلیة، فلا ترتبط اقتصادیاً بالحالة الاقتصادیة الدخلیة للعراق، بل بالسوق العالمیة التي تحدد اسعار النفط وبالتالي ایرادات أو دخل العراق. اي انهم مغتربون عن الوطن. فالحریات الفردیة ستصبح حتماً ضدهم فهم لا یؤمنون بمقولة آدم سمیث “ دعه یمر دعه یعمل“ لأنها ضد مصالحهم ولا یدعون الى تعزیز المبادراة الفردیة ما دامت السلطة هي الخالق الأول وربما الوحید للدخل، ویبقى موظفو الدولة هم الشریحة الممثلة للبرجوازیة الصغیرة والتي أیضاً ترتبط مصالحها بمصلحة السلطة عبر مرتباتها، وهي بمعنى آخر غیر مستقلة أیضاً عن السلطة السیاسیة.
تقلیل اعتماد العراق على النفط هو أول الطریق نحو الدیموقراطیة، لأنه سیعزل البرجوازیات المشار الیها اعلاه، وتنشیط القطاع الخاص العراقي الصناعي تحدیداً خطوة نحو الدیموقراطیة.
م/ ص. المدى