تقارير وتحقيقات

(داعش) انتهى والطفل(فكاكه) قاوم الموت .. قضيتان عامّة وشخصية في 2017

خلود العامري

هذا العام طويتُ من حياتي صفحتان مؤلمتان، إحداهما عامة وتمس الملايين من بلادي والأخرى خاصة وتتعلق بحادث مؤلم في عائلتي، واليوم بدأت التحضير لعام جديد مختلف يحمل بين ثناياه فرحاً أكثر وألماً أقل، طبقاً لإحساسي أنا وليس اعتماداً على مؤشرات معينة.

في الوضع العام، مرت أحداث كثيرة بعضها كان يعيش في داخلي وكنت أتمنى اليوم الذي أطوي فيه تلك الصفحة من حياتي ومن حياة الكثيرين، لا سيما أنني فقدت الكثيرين من الأحبة في السنوات الماضية ما جعلني أخشى الفقدان في شكل دائم، وهذا العام طوت بلادي صفحة مؤلمة استنزفت الكثير من الشباب وراح ضحيتها آلاف بين نازح ومهجر وبين جريح ومشرد وقتيل وانتهى وجود «داعش»، على الأقل في شكله الحالي.

في الحرب فقدنا أصدقاء وجيران وأقارب. كان بعضهم يقاتل مع الجيش وبعضهم مع الشرطة وبعضهم الآخر مع الحشد الشعبي، ومعظمهم تركوا وراءهم عائلات صغيرة كانوا يعيلونها بأنفسهم، فأصبحت بعد رحيلهم في حاجة إلى من يساعدها، فيما ترك آخرون وراءهم أمهات نائحات مواظبات على زيارة القبور واستذكار الولد المفقود في جحيم الحرب.

قبل أكثر من عامين حينما دخل التنظيم إلى عدد من المدن العراقية وتسبب في قتل وسبي واعتقال وتهجير آلاف، كنت أظن أن طي هذه الصفحة سيحتاج إلى سنوات طويلة وأن ما حدث لن تتم معالجته بسهولة، لكن وقبل نهاية العام الجاري تم إخراج التنظيم من معظم المناطق وبدأ العراقيون يتنفسون مجدداً، ولأنني قررت ومنذ زمن طويل أن لا أغادر هذه البلاد المنكوبة إلا في شكل موقت ولن أستقر في غيرها، كنت واحدة ممن تنفسوا بعمق بعد طي صفحة «داعش».

اليوم، يسمع المتنقل بين الأسواق والأماكن العامة عبارة «داعش انتهى» حينما يتم الحديث عن الوضع في البلاد، وهذا يعني أن العراقيين يشعرون بالفعل بأن صفحة «داعش» قد طويت قبل نهاية العام.

الحدث الثاني الذي طويت صفحته هو شيء خاص بعائلتي، فقبل انتصاف الشهر أصيب ابن شقيقي الصغير «ذو الفقار» الشهير بيننا بـ «فكاكه» الذي لم يكمل عامه الخامس بجرح بالغ في بطنه أثناء لعبه مع شقيقيه، إذ سقط على قطعة من السيراميك المكسورة وفتح بطنه في الحال حتى بانت أمعاؤه منه.

الحادث كان كالفاجعة، ليس بالنسبة إلي وحدي بل للجميع، فألم الفقدان ما زال راسخاً في إذهاننا منذ رحيل والدي وشقيقي علي بعده ثم لحق بهما ابن شقيقي علي الذي لم يتجاوز عمره عامين ونصف العام ثم شقيقي خالد قبل خمس سنوات. لذا فإن أول صورة ترد في أذهاننا في مشهد كهذا هو الموت، الموت الذي يربكنا ويخيفنا ويجعلنا نشعر بضعفنا وألمنا، فنحاول أن نستمد قوتنا من عمقه كي نستمر.

اليومان الأولان للصغير في الفراش كانا امتحاناً رهيباً لعائلتنا، لا سيما أن الطبيب الذي قام بخياطة الجرح نصح بعدم تحريك الطفل وإبقائه في الفراش دافئاً على أن يتم أخذ صورة لاحقة لأمعائه لمعرفة الضرر الذي لحق بها. كما أن الصغير الذي اشتهر بلسانه الطليق وعباراته التي تكبر عمره وصراحته المطلقة مع الجميع كان خائر القوى لا يتكلم ولا يستمع، كان الجميع يشعرون بشبح الموت يحوم حول المكان الذي لم يزره منذ خمس سنوات منذ أن خطف خالد من بيننا.

في اليوم الثالث بدأت الأمور تتغير لمصلحة العائلة وظهر أن «فكاكه» يحاول هزيمة الألم، بدأ يتحدث بكلمات متلعثمة ثم طلب من عمه الذي غالباً ما يناديه «بابا» أن يحمله إلى الحديقة كي يرى الشمس والأشجار، حمله برفق وبقي محتضناً إياه ويتفحص تعابير وجهه كي يطمئن إلى أن لدى الصغير الرغبة بالمقاومة.

بعد أيام بدأ لسان «فكاكه» ينطلق أكثر على رغم تعايشه مع الفراش لساعات طويلة في النهار والليل وعدم قدرته على اللعب مع أشقائه. لكن الصغير الذي قاوم الألم بطلاقة لسان اعتاد على الأمر وكان يمتثل إلى الأوامر الطبية بقليل من التذمر بسبب ما يشعر به من ألم.

اليوم وبعد أكثر من أسبوعين على الحادث بدأ «فكاكه» يتخلى تدريجياً عن فراشه ويجلس لساعتين أو ثلاث في الحديقة ثم يعود إدراجه وهو يسير ببطء فتبدو خطواته مشابهة لتلك التي يحاول الطفل فيها السير للمرة الأولى ليدخل في فراشه الصغير الدافئ، التصميم على تحدي الألم الذي كنت أراه في عيون «فكاكه» لم اعتده كثيراً من الأطفال الذين يمرون بالظرف ذاته، وعلى رغم صغر سنة كنت أشعر أن هذا الحادث منحه درساً بليغاً في أهمية اللعب في حياته كطفل فصمم على تجاوز الأزمة.

ذو الفقار تعدى مرحلة الخطر على رغم قلة حركته وطويت سنة 2017 من دون أن تأخذ عزيزاً آخر من عائلتي التي تستعد لاستقبال العام الجديد بشجرة طولها مترين تقريباً حاولنا إشراك صغيرنا في تزيينها حتى أنه من حبه للشجرة قرر أن ينام بجانبها فقمنا بنقل فراشه إلى حيث هي.

 م/ الحــياة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى