مقالات الرأي

حسن العاني ــ هموم ابداعية

وسائل الدعاية والاعلام المصرية تختار ابهى الالقاب واعلاها منزلة لتطلقها – عن استحقاق – على رموزها ومبدعيها : عميد الادب العربي، كوكب الشرق، امير الشعراء، العندليب الاسمر، موسيقار الاجيال، سيدة الشاشة، سندريلا السينما، شاعر النيل .. الخ، فماذا منحت وسائل اعلامنا الرسمية والشعبية من القاب لشيوخ القصيدة العربية الحديثة.

يستحق اشقاؤنا المصريون مزيداً من الاحترام، لانهم عرفوا كيف يحترمون رموزهم ونجومهم، ويقدمونهم الى العالم بأبهى صورة، دعونا نلاحظ إننا في العراق نعرف عن قرب سعد زغلول مثلاً واحمد عرابي، أكثر مما نعرف قادة ثورة العشرين، ولدينا معلومات وافية عن العقاد أكثر مما لدينا عن مصطفى جواد، وعن أحمد شوقي وعماد حمدي ومنيرة المهدية ، أكثر من الجواهري وخليل شوقي وسليمة مراد.. وقائمة المقارنة ليس لها حدود..

القضية في قناعتي لا تتوقف على طبيعة المبدعين، ولا علاقة لها بمن هو مهم ومن هو أهم، لأن العملية الابداعية تقوم على عنصرين، الاول: ذاتي.. أي وجود موهبة ابداعية حقيقية، والثاني: خارجي.. ويتمثل بقوة الماكنة الاعلامية والدعائية بنوعيها الرسمي والشعبي، واذا كان من الصحيح ان العنصر (الذاتي) هو الاساس، ولكن من الصحيح كذلك ان وسائل الاعلام والدعاية تمتلك تأثيراً فاعلاً في انهاض العملية الابداعية والوصول بها الى القمة، وقد تبلغ قوة هذا التأثير الى الحد الذي يؤهله لصناعة مبدع من لا شيء، أي يفتقر الى الموهبة، غير إن مثل هذه الصناعة غير قادرة مهما اوتيت من القوة ان تستمر، والزمن كفيل بإهمال هذا النوع الصناعي من المبدعين.

ولعل اغلبنا يذكر كيف كان تلفزيون الشباب، أو تلفزيون عدي كما يحلو للبعض تسميته، يقدم في كل سنة قرابة (250) مطرباً شاباً، سرعان ما فضحهم الزمن واكتشفتهم الناس وخذلتهم الموهبة! مدعاة الحزن هنا تكمن في المقارنة بين الماكنة المصرية والماكنة العراقية، فكلتاهما انجبت اعظم المبدعين، بمعنى انجبتاعظم المواهب الحقيقية، ولكن مَنْ مِنَ المصريين على سبيل المثال "يعرف" حسين نعمة او وحيدة خليل او مقداد عبد الرضا او عبد الجبار عبد الله او طه باقر او هادي احمد .. الا قلة قليلة جداً، ومَنْ منهم سمع بسوق الشيوخ وآلوسوالمهناوية الا قلة أقل من القليلة … وفي الاطار نفسه نسأل مَنْ مِنَ العراقيين (لا يعرف) سيد درويش او نجاة الصغيرة او حسن يوسف .. الخ ومَنْ منهم لم يسمع بخان الخليلي والاسكندرية وبورسعيد؟!

وسائل الدعاية والاعلام المصرية تختار ابهى الالقاب واعلاها منزلة لتطلقها – عن استحقاق – على رموزها ومبدعيها : عميد الادب العربي، كوكب الشرق، امير الشعراء، العندليب الاسمر، موسيقار الاجيال، سيدة الشاشة، سندريلا السينما، شاعر النيل .. الخ، فماذا منحت وسائل اعلامنا الرسمية والشعبية من القاب لشيوخ القصيدة العربية الحديثة، السياب والملائكة والبياتي، وماذا نعرف عن جواد سليم غير نصب الحرية، وماذا قدمنا من تعريفات او احتفاءات، ولو متواضعة، لناسنا في الداخل قبل العرب خارج الحدود، حول قاماتنا العملاقة؟!

شيء واحد كنا نحسنه باحتراف على المستوى الاعلامي، هو تحريض المبدعين على انتقاص بعضهم البعض، وتبادل الشتائم، أما على المستوى الرسمي فاهمال الابداع ونسيان المبدعين…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى