تقارير وتحقيقات

بيروت غالية بالحق والباطل .. ليلها ليس للنوم بل السهر

الطابع السياحي لمدينة بيروت يجعلها غالية بل غالية جدا،ففي اليوم الاول كنا نتوجه الى الحمرا لكي نحظى بوجبة عشاء لذيذة من المطعم المشهور بربر ،صاحب هذا المطعم القادم من الريف بحصانه وزيه الشعبي كان يفتح طاولة بسيطة يبيع فيها السندويج، وكعادة اهل المدن الذين يرون أنفسهم أعلى شأنا من ابناء القرى، أخذوا يسخرون من الرجل ويطلقون عليه (بربري) ومن طبيعة الشخصية اللبنانية هي قدرتهم على تحويل الفشل الى نجاح والاهانة لتعزيز المكانة ،تطور هذا البربري لتكون مطاعمه الاكثر شهرة في بيروت وتتصف بالنظافة والجودة والسعر المناسب فأصبحت الشتيمة اليوم علامة تجارية وشهرة  محل لا تقدر بثمن (مطاعم بربر).

 الليل ليس للنوم

أخذنا السائق الصديق في جولة ليلية الى منطقة الأشرفية في بيروت الشرقية، وهي المنطقة الخاصة بسكن المسيحيين، تجولنا في الجميزة ومار ميخائيل  وهي عبارة عن طريق غير واسع تنتشر على جانبي الطريق البارات ومحلات بيع المشروبات الكحولية،يرتاد هذه الاماكن الشباب والصبايا وكذلك السياح العرب والاجانب يفضلون الجلوس على الارصفة فتخرج الكراسي والطاولات لتحتل الرصيف بسبب ان التدخين ممنوع في الاماكن المغلقة، لفت نظري اســــــــــم احد البارات (drin; and sing) يعني – اشرب وغني- حتى لو كان صوتك غير جميل مسموح لك في هذا البار أن تغني بعد أن تشرب، توجد بين مسافة واخرى درجات تفضي الى البيوت التي تكون في اعلى هذه المنطقة وعلى تلك الدرجات يجلس الشباب والصبايا يتبادلون القبل وكلمات الحب (الصادق والكاذب) على حد سواء،غادرنا الاشرفية وكانت رغبتنا الرجوع الى الفندق خاصة وان الساعة كانت الثانية عشرة ليلا لكن سائقنا أصر على أخذنا الى مرتفعات تسمى (عالرية) تناولنا هناك فوق الجبل القهوة وكانت الاضواء تثير لدينا الاحساس برؤية مدينة بيروت الساهرة ورجعنا للفندق وسائقنا يردد العبارة التالية (الليل في بيروت ليس للنوم بل للسهر)

واللبنانيون كما ذكرنا قادرون على الابداع وهم يملكون الحظ في اعمالهم، وهذا لا يعني جميع اللبنانيون عندهم هذه الخصال ،ومن يفتقر الى تلك المواصفات قد يلجأ الى الخداع والحيلة لتعويض ما فاته عندما كان يعمل بشرف! وكيف لا وهو يرى التفاوت الطبقي واضحا خاصة في بيروت فعندما اصطحبنا السائق الى منطقة (زيتونة بيه) وهي مرسى الزوارق واليخوت التي يبلغ ثمنها 500  الف دولار وقد يصل الى مليون دولار وبعضها وضعت فوقها هليكوبتر !بينما يركض الكثير من فقراء بيروت من اجل عدة ليرات يكسبها بالقوة.

حدثني احد اللبنانيون بأن قريبته تعمل في احد المحلات لبيع الملابس (ماركات) تقول سعر البدلة الرجالية 25 الف دولار! وهناك من يشتريها ليس رجال الاعمال والاغنياء فحسب بل الطبقة السياسية أخذت تنافس بالثراء والتبذير شريحة الاغنياء، ومن هنا يرتكب البعض الاخطاء والسلوكيات المنحرفة أخلاقيا ليكسب قوته، وهناك من تخجل أن تقول له انت سارق وهو يعتقد بأن هذه السلوكيات تعد شطارة! فعندما كروبنا أضطر للذهاب الى مطعم (ست الشام) في الضاحية الجنوبية من بيروت، ومن المعروف بأن الأسعار في الضاحية الجنوبية ارخص بكثير من مطاعم بيروت الشرقية والغربية! وطبعا لا يستطيع صاحب المطعم تغيير قائمة الطعام (المنيو) والاسعار مثبتة عليها فأبتكر حيلة خبيثة مكشوفة ليكسب بها المال من السياح العراقيين! ألا وهي رفع سعر كل شيء غير مكتوب بالمينو ، فقنينة الماء الصغيرة التي سعرها نصف ليرة وبالكثير ليرة جعلها ليرتين وهي اجبارية، صحن فيه طرشي وقطعة طماطة وخضرة وضعها على طاولة من دون طلب سعرها 6 ليرات، فضلا عن اخطاء في قائمة الحساب غالبا ما تكون لصالح المطعم!

 لبننة العراق ام عرقنة لبنان

عند مغادرتنا بيروت اليوم الجمعة صباحا ،كانت العاصمة اللبنانية تستعد لنقل جثامين الشهداء الذين استشهدوا في (جرد لبنان) نتيجة العمليات الارهابية، وسوف يحضر التشييع الرؤساء الثلاثة رئيس الجمهورية ميشال عون ،ورئيس الوزراء سعد الحريري، ورئيس مجلس النواب نبيل بري،وستكون مسيرة التشييع التي يحضرها اهالي الشهداء وتنطلق من المستشفى العسكري الى وزارة الدفاع.

هذه التحضيرات استرجعت فيها ذكريات الحرب الاهلية في لبنان،حينما كان الحكم في لبنان ثنائيا (السنة والمسيحيون) بينما كان الشيعة مستبعدة في لبنان من المناصب والسلطة، لذلك أتجهوا الى المعارضة العلمانية التقدمية واليسار الشيوعي،وحينما برزت قوة التنظيمات الشيعية بقيادة موسى الصدر، وشهدت الساحة اللبنانية حربا اهلية بين الطوائف والمكونات، لتضمحل الصراعات بين الفقير والغني (الصراع الطبقي) ليكون بدلا عنه (الصراع الطائفي) والفرق بين الصراع الطائفي في لبنان يختلف عن الصراع الطائفي في العراق، هنا في العراق لا يعترفون بوجود صراع طائفي ويصرون على عدم التفرقة، في لبنان الواقعية تتحكم في الصراع المكشوف ابتداء من تقاسم السلطة بالتساوي وكذلك ترى المناطق موزعة بعناية فائقة! فبيروت الشرقية للمسيحيين، وبيروت الغربية للمسلمين، والضاحية والجنوب للشيعة! بينما الشوف وجزء من الجبل للدروز!

 مناصب ونفوذ

مع هذا هناك استحواذ واضح للموارنة المسيحيين على المناصب والنفوذ والمال وهؤلاء يتصرفون في لبنان على اساس أنه مسيحي وليس بلدا فيه اسلام وديانات أخرى، وحتى بالتفاصيل الصغيرة لا يقدم المسيحيون في لبنان تنازلات ! ففي المدينة المائية مثلا يمنع دخول المحجبات كما يتم منع دخول حتى الخدامات (الاسيويات) من دون مرافقتهن مع السيدات! كما تحتار حتى وانت في المطار وفي كثير من الاماكن في بيروت من وجود الماء في التواليت فتحس نفسك في بلد اوربي وليس بلداً عربياً فيه اكثرية من المسلمين!

وليس غريبا ان يتجاهل المواطن البسيط حقوقه الاقتصادية وحق في حياة كريمة في الوقت الذي يستحوذ فيها على ثروات لبنان ما نسبتهم 3 بالمئة من سكان لبنان، وينشغل الجميع في اثبات هوياتهم الدينية والمذهبية في ظل هذه الصراعات الوهمية البديلة عن الصراع الطبقي.

انتهت رحلة العيد الى لبنان، تمتعنا كثيرا وأثارت فينا بعض الشجون لوجود تشابه بملامح الصراعات والفساد  في العراق وما موجود في  لبنان من حيث نوع الصراع غير المجدي.(مع الاحتفظ بالماركة الاصلية العراقية).

تقرير ــ حمدي العطار

م/ ص.الزمان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى