النازحات معاناة بحاجة الى دعم نفسي ومالي

رلى واثق*
سمعتها وهي تتحدث عن معاناتها للنساء المتجمعات امام بوابة احدى المدارس بأنتظار بناتهن اللاتي يؤدين الامتحان النهائي للسادس الابتدائي (البكلوريا)، فعرفت منها انها احدى النازحات، فبادرتها بالسؤال عن احوالها وعائلتها وكيف نجت من المعارك؟، فقالت والدموع لم تحتمل ان تبقى اكثر في مقلتيها فنزلت على وجنتيها بسرعة "نجينا انا وابنتاي بأعجوبة كبيرة فلم يوافق زوجي وعائلته على الخروج من الموصل في بداية دخول (داعش) الى اراضينا بحجة (ان الذي يترك داره يقل مقداره) وغيرها امتثلت لرأيه، على الرغم من اصرار اهلي واقاربي للعودة الى بغداد وان ابوابهم مفتوحة لنا".
وتضيف سمر ابراهيم بلهفة المريض الذي يدلي بشكواه لطبيبه للتخفيف من حمله الثقيل الذي يجثم على صدره "عانيت الامرين لسنتين ونصف السنة وانا اعيش في رعب ليس على نفسي فحسب وانما ابنتاي ايضاً اللتين تركتا المدرسة بسبب اعمال (داعش) ومافرضوه من مناهج تشوه افكارهم، واجبرنا انا وجميع النساء على لبس الخمار، وجملة من الممنوعات لاجدوى منها سوى فرض افكارهم المسمومه".
ابتلعت ريقها والدموع لم تفارق عينيها وتابعت بقولها "ازدادت المشاكل بيني وبين زوجي نتيجة الخوف من المجهول ومما تفعله تلك العصابات بالمواطنين ومن ضيق ذات اليد، وبدأ يضربني او ابنتاي بشدة في كل مرة في محاولة لافراغ عصبيته وكنت في كل مرة ان اكون البديل دوما عنهم خوفا عليهم فكانت النتيجة تلف بأعصاب كف يدي اليسرى".
وتردف ابراهيم "بعد الاحداث الاخيرة من عمليات التحرير التي قامت بها القوات العراقية والحشد الشعبي لتطهير الموصل من (الدواعش) اضطررنا للهرب لاشتداد حدة القتال ومكثنا في مخيمات ايام البرد القارسة فلم تكن الموافقات للخروج من الموصل باليسيرة، ولم يكن لوزارة الهجرة والمهجرين دور يذكر الا في توزيع شي بسيط من المساعدات التي لم تكن تسد احتياجات النازحين، حتى تمكنا بعد 10 ايام من العذاب ان نذهب الى اربيل، وبدأنا بمعاناة اخرى في كيفية توفير لقمة العيش والسكن، فأعتمدنا على ما كان يصلنا من الاهل في بغداد حتى وصلنا الى طريق مسدود واجبرت زوجي على اعادتنا الى حيث عائلتي في بغداد لعدم قدرتي على التحمل اكثر".
بعد ان زفرت انفاسها بتعب تقول ابراهيم "تنتهي حكايتي بعد عودتي الى اهلي وانفصلنا انا وزوجي لاستحالة الحياة معه اثر تحويل حياتي وحياة ابنتاي الى جحيم"، وهنا قد خرجت هديل ابنتها الكبرى من الامتحان بفرحة كبيرة لعودتها الى مقاعد الدراسة بعد ان حرمت منها.
مساومة النازحات
نقلت مسؤولة ملف المرأة في مفوضية حقوق الانسان في دورتها السابقة الدكتورة بشرى العبيدي "ان البعض من النازحات فضلن البقاء في المناطق التي يسيطر عليها (داعش)على تواجدهن في مخيمات النزوح نتيجة لما تعرضن له من اذلال واستغلال حتى من الموظفين الذين قدموا لمساعدتهم، واصفة ان مثل هذا الشعور كان وقعه كالصاعقة عليها، فهل يمكن ان يكون (داعش) بافعاله الاجرامية اخف وطأة مما يفعله ابناء الوطن بشركائهم".
وقالت العبيدي "ان الكثير من المساومات قد تعرضن لها النازحات في مختلف المخيمات من الموظفين القائمين على منح المساعدات، حيث يشترط مجئ النازحة الى المكان المخصص له في المخيم ليلاً مقابل اعطائها المساعدات الانسانية لتطعم اطفالها، وهذا الموضوع شمل حتى موظفي المنظمات الانسانية الدولية".
وتابعت العبيدي "ان من الامور الاخرى التي تعرضن لها النازحات هو تشغيلهن في دور البغاء ومنحهن سلطة فيها، دون ان تستطيع اي قوة ردعهن عن ذلك لانهن كن يخضعن لحماية شخصيات رفيعة المستوى".
سوء الخدمات
عضو لجنة المرأة والاسرة والطفولة البرلمانية انتصار الجبوري بينت "ان ابسط حقوق النازحات معدومة، فمن المعروف ان احتياجات المرأة تفوق الرجل"، واصفة حالهن "(بملكة خرجت من مملكتها الى اتعس الاحوال)، فمهما كانت تسكن في بيت بسيط الا انه افضل من حالها في المخيمات".
وتطرقت الجبوري الى "ان المرأة النازحة تتعرض للعنف الاسري، فالرجل عندما يغضب يلجأ لتفريغ شحناته السلبية في زوجته،وهناك مشكلة تفاقمت بشكل كبير بين اوساط النازحين تتمثل في زواج القاصرات منهن والذين لم يفهموا معنى الحياة بعد، فتزداد حالات الطلاق، فضلا عن عدم وجود دورات مياه صحية خاصة بالنساء".
واسترسلت الجبوري "ان معاناة النازحات كثيرة جدا، اذ تجرعوا الامرين منذ عام 2014 وحتى الان، فلا يوجد مستوصف صحي او طبيبة نسائية مختصة او حتى ادوية للامراض النسائية وحالات الولادة، حتى سيارة الاسعاف فهي واحدة وتتواجد في (ناحية الحاج علي) وهي مسؤولة عن جميع المناطق، وقد لاتصل الى المخيمات المليئة بالنساء".
وتابعت الجبوري "ان عدم وجود اماكن مخصصة لاستحمام النساء زاد العبئ عليهن فيضطررن الى البقاء شهر او مايزيد عليه دون استحمام، الامر الذي فاقم من حالات الامراض الجلدية والقمل، فضلا عن انتشار المياه الثقيلة بين المخيمات".
وعن جهود الدولة فتقول الجبوري "ان الدولة اكتفت بالسماح للمنظمات الدولية بتقديم المعونات للنازحين والتي بدورها وزعت بينهم رز وعدس وزيت"، مؤكدة ان "الحكومة فشلت في اعداد خطة انسانية الى جانب خططها الامنية والعسكرية تكون للمرأة فيها الاولوية، وبذلك دفعت المرأة الموصلية الثمن غاليا من حقوقها في العيش".
وتضيف "ان النازحين بصورة عامة والنازحات خاصة الذين نزحوا منذ عام 2014 تمكنوا من تثبيت اقدامهم نوعا ما وحصلوا على شبه الاستقرار في الاماكن التي نزحوا لها، لكن المعاناة الحقيقية يعيشها النازحين في المخيمات والمحاصرين في مناطقهم التي تنتظر التحرير".
وبمرارة كبيرة تحدثت الجبوري "عن امرأتين قبل عدة ايام فارقوا الحياة جوعا، واخريات يطعمن اولادهن (اوراق الكارتون) المنقوعة بماء البئر لسد جوعهم، ناهيك عن كثرة حالات السرطان بين اوساطهن".
زواج القاصرات
رئيسة منظمة "نساء من اجل السلام" عضو "شبكة النساء العراقيات" شذى ناجي توضح "ان المنظمة ركزت جودها على النازحات اللاتي يسكن خارج المعسكرات (المخيمات)، فهؤلاء تصلهن مساعدات الكثير من المنظمات الدولية ومجلس المحافظة، لكن هناك الكثيرات من النازحات اتخذن من الحسينيات والجوامع والمدارس وبيوت الاقارب ملاذا لهن ولاطفالهن، واخرين استاجروا منازلا في مناطق غير لائقة وفي العشوائيات، فهذ الفئة تحتاج الكثير من مستلزمات العيش، فضلا عن الدعم النفسي والمادي والقانوني".
وتأسفت ناجي لما رصدته خلال جولاتها بين النساء النازحات من كثرة انتشار الزواج المبكر بين اوساطهن، بقولها "نحن ضد هذه الظاهرة ولسنا مع اكراه الفتيات على الزواج، فضلا عن كثرة ايتام الاب والام هي من تكون المعيلة، فهم يعانون اوضاعا نفسية صعبة".
وبينت ناجي "ان المنظمة تعمل على التقريب بين النازحين والمجتمعات المضيفة لهم عن طريق اقامة جلسات وتقوية اواصر العلاقات بينهم، للوقوف على مشاكلهم واحتياجاتهم من جهة، والتخفيف من الضغوطات النفسية التي يعانون منها، وتركزت اغلبها بعدم قدرتهن على التحدث مع ازواجهن بمايعانين من مشاكل، فضلا عن تردي الاوضاع المادية التي تفرض عليهم صعوبة توفير ابسط مستلزماتهم من الطعام".
ومن جملة النشاطات التي قامت بها المنظمة تقول ناجي "في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المراة وبالتعاون مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية زرنا مراكز الدعم النفسي الخاصة بالوزارة فلم يتمكنوا من التعامل مع اشخاص مختصيين للتحدث مع النساء بشكل علمي ونفسي لاخراجهن من الحالة التي يعانين منها، فنحن بحاجة الى تحسين الواقع النفسي للنازحات كونه جاء من الواقع الاقتصادي المتردي والعيش الغير لائق مما يولد ازمات نفسية تأثيرها كبير عليهم".
* التحقيق فائز بالجائزة الثالثة (مناصفة) لمسابقة عراقيات الصحفية




