السجناء و «أمي الحنونة».. عشق بلا حدود

أختلط صوت القاضي وهو يطلق الحكم بشهقات والدة المتهم التي انهمرت دموعها كالمطر، ولم تنفع مواساة أقاربها الذين حضروا جلسة المحاكمة، ولا عبارات محامي الدعوى ووعوده باللجوء إلى استئناف الحكم، في وقف بكائها المختلط بالنحيب والعويل، ولا بالتخفيف عن مأساتها التي تراها بعينها، وحين اقتيد من قاعة المحكمة إلى السجن، تحسس ( م. حبيب) عبارة « أمي الحنونة» التي وشمها على ساعده الايسر ذات يوم وكأنها ستكون البديل عن والدته التي سيفارقها مجبرا لعدة سنوات
في وقت مضى، فكر حبيب أكثر من مرة بإزالة هذا الوشم لعدة أسباب، لكنه تراجع في لحظات التنفيذ الأخيرة، ليس بسبب كلفة الإزالة التي باتت تجرى بكل سهولة بواسطة أجهزة حديثة، بل لأن صورة عيني والدته اللتين كان يتخيلهما مغرورقين بالدموع حزنا عليه وتضامنا معه، كانت تمنعه من فعل
ذلك.
لكنه في هذه المرة فكر بالعبارة من زاوية أخرى، وشعر انها تعني ضعفه وعدم اكتمال رجولته، وهذا ما سيقلل من قيمته الشخصية في سجن من المؤكد انه يضم الكثير من أرباب السوابق وعتاة المجرمين، لكن هذه الفكرة سرعان ما توارت عن ذهنه عندما شاهد هذه العبارة موشومة في مناطق مختلفة من أجساد السجناء.
بداية الأخطاء
ويقول الشاب العشريني الذي وجد نفسه محكوما عليه بالسجن لعدة سنوات:« في كل المشاكل التي واجهتها كانت والدتي تقف بجانبي، وتفعل المستحيل كي لا يصيبني أذى أو ضرر، على العكس من سائر أفراد عائلتي لاسيما والدي الذي كان يضربني ويسمعني أشد العبارات قسوة وتأنيبا إذا ما ارتكبت أبسط هفوة.»
ويشهد العراق اتساعا في حجم الجريمة نتيجة اسباب كثيرة تقف في طليعتها البطالة وضعف مؤسسات الضبط الاجتماعي وانحلال الاخلاق وتفشي الفساد وشيوع ثقافة المسلسلات التلفزيونية، وانتشار مقاهي الأرجيلة وامتلاؤها باصدقاء السوء، وأسباب عديدة أخرى، وفيما ينشغل الآباء في هموم متطلبات الحياة تواصل الأمهات زيارة الأبناء في سجونهم على الدوام وهذا ما يعزز حبهم لهن.
ويقول ضابط تحقيق في الشرطة طلب عدم ذكر اسمه:« تغص ردهات التوقيف بالمراهقين والشباب اليافعين نتيجة عدم وعيهم بابعاد بعض تصرفاتهم واغلبهم ممن تركوا الدراسة في وقت مبكر، أو خالطوا اصدقاء سوء حببوا لهم اللهو والطيش، والحصول على المال بلا تعب ولا مشقة، ما دفعهم للانخراط في عصابات ومجاميع السرقة والتسليب.»
ويضيف الضابط بألم: « ومع كل ما يرتكبه هؤلاء من جنح وجرائم ومخالفات نرى الامهات يحرصن على التواصل معهم، فزياراتهن لهم لا تنقطع، وهن يحملن الأطعمة والملابس وما يحتاجونه من أشياء أخرى، والقليل منهم يتعلم هذا الدرس القاسي في ضرورة احترام القانون.»
ويؤكد حبيب الذي يدخن بشراهة وينفخ دخان سيجارته بغضب عاليا:« تحملت والدتي الكثير من قسوة أبي ومرارة عباراته المؤلمة والجارحة للمشاعر لوقوفها معي، وكان يتهمها بانها تشجعني بسلوكها هذا وتدفعني نحو عوالم الجريمة، وقد صدق في قوله الذي كنت استخف به كلما سمعته.»
وتجمع أغلب الدراسات النفسية والاجتماعية على ان للدلال الفائض عواقب وخيمة على الأولاد، فهو يكرس نرجسياتهم وحبهم الغامر لذواتهم، ويجعل بالتالي منهم شخصيات متعالية على ذويهم واصدقائهم، وبالتدريج يرغب المدللون بمعاملتهم معاملة خاصة تضعهم فوق الجميع، واذا لم يحصلوا على مستوى الاهتمام والتقدير العالي الذي يحبذونه تحولوا الى اشخاص عدائيين منطلقين بالعدوان من الاعتداءات اللفظية إلى الجسدية ثم ينجرفون الى اعتداءات أكبر وأخطر وصولا الى الجريمة ما لم يوضع حد لسلوكهم المنحرف هذا.
قصة حبيب
قصة حبيب واحدة من القصص التي تؤكد ان دلال بعض الأمهات لأولادهن وحنانهن عليهم قد يشجعهم على التمادي بالعبث وارتكاب الأخطاء المتلاحقة وصولا للانغماس في عالم الجريمة، لاسيما إذا وقفت الأم سدا منيعا أمام محاولات الأب في إعادة الابن إلى الطريق القويم، وغالبا ما تدفع غريزة الأمومة الكثير من الأمهات لفعل ذلك لاسيما اذا كان الأب يتمتع بقسوة فائضة وقلب مصنوع من الحجر الصلب.
وتؤكد أغلب النظريات المتعلقة بموضوع الضبط الاجتماعي ان الفرد قد ينحرف عن المعايير إذا لم يمنعه الآخرون الذين يهتمون لسلوكه، ووجد من يشجعه أو يغض الطرف عن سلوكه، فالفرد في ظل هشاشة أساليب الضبط الاجتماعي، يزداد عدم احترامه لردود أفعاله، ويصبح حرا بلا محددات تنظم سلوكه، وهذا ما قد يدفعه للانحراف.
ويستدرك حبيب في لحظة مراجعة للنفس مواقف والديه من منظور مختلف فيقول: « في الكثير من الأحيان، أجد نفسي في غاية التقصير أمام والدي، اذ كان المفروض ان أقدر حب والدتي لي وتحملها الكثير في سبيلي، وابتعد عن كل ما يخالف الأعراف والقوانين لكي لا ألحق أي أذى أو ضرر بعائلتي.» ويستكمل الشاب حديثه، بعد لحظة تأمل سريعة فيضيف: « كما اعتقد ان والدي كان محقا في تأنيبه لي، وكان سلوكه ينطلق بدافع الحرص، فكثيرا ما كان يحذرني من عواقب الركون لأصدقاء السوء. اشعر بالكثير من الندم لاني لم آخذ بنصائحه، ولكن ماذا ينفع الندم بعد وقوع الفأس بالرأس.»
ندم عميق
ويقول الشيخ ماجد العوادي: «يصفون الله عز وجل بالأحن على عباده من الأم على وليدها .. وفي هذا التوصيف اعتراف بحنان الأم والذي يكون دلال ناتج عنه، والدليل ان الله سبحانه خلق كل شيء لخدمة الانسان الذي خلقه وجعله خليفته في الارض، وكذلك الأم تبذل كل ما لديها من اجل اولادها، فالأمر في ظاهره أمر طبيعي واعني تدليل الأم لوليدها، الا ان كل ما زاد عن حده انقلب ضده.. فالدلال الزائد عن حده يتحول الى مفسدة وقد يفضي الى الانحراف .. أذ ينتج عن الدلال الزائد عدم السيطرة عليهم، في حين ان الله عز وجل حمل الأم والاب مسؤولية انشاء اسرة وجعل تربية الاطفال تربية صحيحة، فرسالة الوالدين في الحياة يحاسبان على تقصيرهما في ادائهما ولهما الثواب الجزيل في اتمامها على وجهها الصحيح.
ويبدو ان الحكم على حبيب بالسجن قد زعزع الكثير من ثوابت أفكاره ومواقفه السابقة فهو يرى ان وقوف والدته معه بحنانها الفياض ومشاعرها الأمومية النقية قد اسهم بشكل أو بآخر في دفعه إلى هذا المصير المؤسف، ويقول حبيب الذي تظلل محياه سحابة من الحزن والألم: « كانت والدتي منذ طفولتي تمثل دور المدافع المستميت عني، وكانت تقف بيني وبين والدي إذا ما أراد ان يضربني مطالبة بضربها بدلا عني، وكانت ثورات غضبها في بعض الاحيان من تصرفات والدي تدفعها لترك المنزل متوجهة الى بيت ابويها حزينة باكية.»
ويختتم الشاب العشريني حديثه، بعد ان يشعل سيجارة جديدة يمتص من دخانها نفسا عميقا: « بسببي كانت الفجوة تتعمق بين أمي وأبي، فقد بت موضوع خلاف دائم بينهما، ونتيجة لذلك، ترك والدي تأنيبي وتقريعي موجها عواصف غضبه نحو أمي، لأنها كانت تبرر كل هفوة ارتكبها، فتماديت أكثر في تصرفاتي، ودفعني حب التفاخر للحصول على المال، ولاني عاطل عن العمل، اشتركت مع بعض اصدقائي بالسطو على محل لبيع أجهزة الموبايل وتم القبض علينا سريعا، وها انا اواجه مصيري المحتوم وليس بمقدوري فعل أي شيء سوى رؤية الدموع الساخنة وهي تسيل على خدي
«أمي الحنونة» ..
تحقيق ــ علي دنيف حسن
الصـــباح




