فنون ورياضة

محرمّات مواطن أبدي

محمد خضير

(إلى لطفية الدليمي)

حُرِم مواطننا من أشياء كثيرة بعضها أزلي ودائم وآخر قصير وزائل، بعضها مما يناله القانونان الوضعي والسماوي بعقابيهما وآخر لا ينص قانون على شموله بالعقاب، فهو حر غير حر بخرق هذه المحرمات، واع وشقي بما حُرِمه وغير واع وسادر في غيه. 

هنا أسرد بعض المحرمات مما لا يحفه قانون بمنع قاطع ويشقى المواطن بحمل أوزاره.المحرَّم الأكبرقد يرحل إنسان عن هذا العالم ولمّا يزُر مدنا مثل نيويورك أو لندن أو باريس أو موسكو. أعجوبة عصر يملك وسائل نقل سريعة تنقل المسافر إلى أي مكان بظرف ساعات أو أقل، لكن مواطننا يرحل إلى ملجئه الأخير في شبه كتمان مع ثلة قليلة من مودعيه. ولن يعلم كثيرون بهذا الرحيل القصير عن بيته. 

 كان السفر المحرَّم الأكبر على مواطن يحترم الممنوعات ولا يقارف أهونها في سره. وكان لهذا المواطن البائس اسم في سجلات دوائر السفر مع إشارة حمراء بالمنع الأبدي من تخطي الحدود. وهو لا يعلم إن كان المنع يسري على سجل قيده في العالم الآخر.

الإغواء الأول

قراءة الجريدة اليومية (الورقية) من المحرمات التي فُطِر عليها مواطنو السياسة العذريون. كانت الجريدة الإغواء الذي يبذر الاعتقاد بخطيئة هدامة قد يُحجر على قارئها. إدمان الجريدة كان بسبب أفيون الأسلوب المثير الذي احترفه صحفيون من رتبة الشيطان السياسي الذي أغوى جيلي بقطف المعرفة المحرمة من مصادر موسوِسة، ليبرالية ويسارية. كانت جريدة كل يوم وعداً قامت عليه حياتنا في بقعة صغيرة نسكنها دون البحار والغابات والجبال.

 لم يفتر حماسي لقراءة الجريدة، أنتظر وصولها من العاصمة في مكتب موزع الصحف. ثم صارت الواحدة ثلاثا في اليوم تتراكم أعدادها على منضدتي تنتظر القراءة. أنظر إلى كومة الجرائد البائتة وأفكر بالإغواء القديم نفسه: السكن في موقع دون البحار والغابات والجبال، ببرودة تسري في فقرات الظهر المنحني على جريدة الوعود المحرمة. 

الرمية الأصوب

 لم يُعطَ المواطن الأبدي فرصة الانخراط في فريق للعبة كرة السلة، مدرسيا كان أم شعبيا، ذلك بسبب قصر قامته. كان هذا عذرا كافيا لحرمانه من حلم التصويب على شبكة كرة قياسية في ساحة لعب قانونية. حُرِمت هذه الفئة القصيرة من هذه الرياضة، لكنها لم تُحرم من سلال نفاية أو ثقوب عالية كمزاريب المطر للتصويب عليها. وكنت أعرف واحدا من هؤلاء القصار ممن يملؤون جيوبهم بالحصى الناعم، فإذا حاذى شيئا مجوفا يبعد قليلا عنه وجه إليه حصاة تستقر فيه. وكان قلما يخطئ في رميته. كان هذا الانتهاك مما لا يستطيع لاعب السلة المحروم مقاومته.

الأمل الأقصر

لي بيت مملوء بالمحفوظات، بيت داخل بيت، زاوية تكتظ بالملفات والوثائق والصور صرفت عمري في جمعها. والعادة هذه استحكمت بي كما استولت على مئات من مواطني بيوت المحفوظات الورقية. 

يدخلون المكتبات وزوايا الأرشيف في الدوائر الحكومية فينتزعون سرا ما يبتغون من أوراق وصور بحيلة او أخرى. إنهم أحفاد ابن المقفع الذي جعل رسولا يحتال على خازن مكتبة موقوفة في الهند ويغريه باستنساخ "كليلة ودمنة" ثم يعود بالكتاب المكنون إلى بزرجمر وزير الملك كسرى.
  يوما بعد يوم يربو كدس الملفات في بيت المواطن الأبدي وتضيق الزوايا بأرشيفه الورقي. وقد تحل الطامة الكبرى حين تتسرب من الأوراق القديمة رائحة التفسخ والعفونة، فلا تصدها الجدران، وتغطي الحي السكني بسحابتها الخانقة. 

حينئذ يأتي القرار بإضافة خسارة أخرى إلى حرمانات المواطن المحاصر برائحة الأرشيف المتحلل، فيردد ما قاله أشباهه من مواطني البيوت الورقية: إلى النار! كل الأوراق للنار! ما أقصر الأمل في البقاء داخل بيوت المحفوظات!

الدورة الأعظم

تستطيع أن تمتلك أخيرا ما لم تقدر على امتلاكه في وقت ما، لفقر ومسكنة وتحريم. واحد من المقتنيات الأسطورية التي حُرِمتها هو جهاز غرامافون مع مجموعة أسطوانات كبيرة الدورة مرتبة في أغلفتها بزاوية دار عائلة موسرة كنت أخدم فيها خلال العطلة المدرسية الصيفية. مرت السنوات فحازت يداي على هدايا الحظ المحرمة، ومنهاغرامافون ومجموعة أسطوانات سود، لكني لم أسمع قط ما كنت أظنه أغنيتي النائمة في واحدة من اسطوانات تلك الدار.

لا أذكر الشاعر الذي شبه حياة الإنسان بدورة أسطوانة. كانت الأسطوانة قرينة كل شيء دائري يفلت من إمساك طرف ثابت فيه. ألعاب مرحلة الطفولة الجريئة، حماقات الشباب المميتة، محرمات سن الشيخوخة، كلها دورات اسطوانة. 

كل شيء يلتف كالأسطوانة في ذاكرتي حتى بعد تعرفي لشخص اسمه "أديب" يملك محلا لبيع الأسطوانات في احدى أسواق البصرة. لم يكن أديب في شهرة تاجر الأسطوانات البغدادي "قيماقجي" لكنه تصرف في محله المرفف بالتسجيلات القديمة والحديثة مثل مواطني المدينة الأبديين، كانت حياته مسجلة بغموض في أخاديد الدورة الحلزونية للأسطوانة. 

م/ موقع صحيفة الصباح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى