فنون ورياضة

كشك الصحف الصغير

محمد خضير

كشك صحف صغير، جوار بائع شاي أو مرطبات: علامتان على مربع مقتطع من الرصيف يقصدهما ماشٍ لا هدف له غير الوصول إلى أواسط يومه بعدد من الخطوات. زحف الكشك من مكانه قرب دار السينما واستقر بصاحبه عبر الشارع في ركن الرصيف المقابل.بائع الصحف العتيد يجلس في مقدمة الكشك مثل كاهن بابلي يتفرج على مرور الأزمنة.

كشك صحف صغير، جوار بائع شاي أو مرطبات: علامتان على مربع مقتطع من الرصيف يقصدهما ماشٍ لا هدف له غير الوصول إلى أواسط يومه بعدد من الخطوات. زحف الكشك من مكانه قرب دار السينما واستقر بصاحبه عبر الشارع في ركن الرصيف المقابل.بائع الصحف العتيد يجلس في مقدمة الكشك مثل كاهن بابلي يتفرج على مرور الأزمنة.كشك صحف صغير، بجانب صندوق بريد أحمر، علامتان على أمسٍ غابر، ما عاد تجاورهما ينتج الدلالة نفسها على استعمال البريد في خرق المسافات وتحرير المحرمات. الكاهن الصحفي منقول إلى زمن غريب مبعثر التكهنات.

 مربعان مقتطعان من سياق تواصل يومي اعتيادي، يعجزان عن رفع سقف الحنين بلا دعائم الأسماء والهويات الطبقية. النص بلا "ناصر" ينصره، يشكو فقر الانتساب إلى مربع وجوار وزبائن. البريد بلا ساع يوصله، مقطوع عن توقعاته. الحنين بلا قارئ يواسيه، خطوات ماشٍ معدودة على خط النمل البشري بلا هدف مرتجى.

 أطفال منتصف النهار الواقفون في مربع بائع الصحف، أضاعوا الاتجاه إلى مأواهم اليومي عند فرن الخبز. الرغيف المحمص يحن إلى رجل مضى على رحيله ست سنوات، كانت الجريدة سلاحه ضد المرض والشيخوخة والنسيان. الكرسي الفارغ الذي يضعه بائع الصحف على باب الكشك مشغول من شبيه الرجل الراحل. أطفال الضياع، أشباه بعضهم، يقضمون رغيفهم الشبيه برغيفه الذي يشتريه من الفرن يوميا. الرغيف يوحد، الجريدة تفرق. الحياة فُرن.

 الشحاذة الجرباء تلهو بعلبة ثقاب ملأتها ذبابات ميتات، يتخايلن لها قطيع ماعز رعته يوما مع أمنياتها الضائعات، تلتفت للمرة الأولى في جلستها لبائع الصحف الذي يجمع أطفالا مشردين يهش عن وجوههم الذباب. الذباب في علبة الثقاب ضحايا خيال يتنفس رائحة الخبز في منتصف النهار. الخيال المشرد بعد موت راعيه الذي يحن إلى الرغيف وتنتظره الجريدة. الجريدة التي نشرت خبر وفاته قبل ست سنوات.

 النقابي المتقاعد، الضابط المطرود من الجيش، حلاق السجناء العجوز، سمسار العقارات، المصري المتبقي من جيل مقاولي الحرب، وشبيه الرجل الراحل منذ ست سنوات.. هؤلاء أبطال كشك الصحف الدائميون، يتعاقبون أو يتجاورون من دون أن يعرف أحدهم الآخر، منتصف النهار، وقت وصول صحف العاصمة. الأطفال التائهون عن مأواهم يمسحون وجوه الأبطال المتقاعدين بنظراتهم الدبقة ثم ينصرفون بلا أمل في أبوة متكلفة. 

 صباغ الأحذية الأعزب، وبائع المنشطات الجنسية المفروشة على بسطة منخفضة، علامتان متجاورتان، متضامنتان ضد الجوع المعنوي عند رجال النظافة البنغال.يضع عامل النظافة البنغالي حذاءه على حافة صندوق الصباغ ويضحك بانفعال بذيء. هذه علامته التي يعوض بها عن حرمانه الجنسي بين قوم لا يلتفتون لحذائه المصبوغ، في مقدمتهم أبطال كشك الصحف المدمنين لقاء أطفال منتصف النهار كل ظهيرة. 

الحلاق الغافي على كرسيه الوحيد، مقابل كشك الصحف، محنط في صالونه مع أربع سحليات سابتات وراء إطار صورة جمعية الحلاقين المؤسسة العام 1957، يوم اعلان خطوبة الملك الشاب فيصل الثاني على فتاة من أصل عثماني بتاريخ 13 أيلول من ذلك العام، كما مدون أسفل الصورة. مصادفة تاريخية لا يدانيها إلا حنين السحليات وراء الصورة لرائحة عطر فرنسي ماركة غلامور.
  تكفينا عشرون علامة نوستالوجيةمن فصوص ثريا كشك الصحف الصغير، تضيء عند حلول الظلام جدار الشناشيل بزقاق الشناشيل، مأوى أطفال النهار الليلي، ثم تفيض على نصناهذا بقليل من شعاعها، منها: صندوق البريد الأحمر، مقصات الحلاق وعطر الحلاقة الفرنسي، ساعة الرجل الراحل ماركة رولكس، راديو بطارية منضدي نوع فيلبس أهمله بائع الصحف على الرف، تمثال معزاة بلاستيكي أهدته الشحاذة الجرباء للفران الذي يتصدق عليها بالخبز. حاوية أزبال البنغالي، خاتم ذهبي مزيف في إصبع بائع المنشطات، ومثله مسامير الترصيع الذهبية في صندوق صباغ الأحذية، إضافة إلى أشياء صغيرة تافهة من علامات الموقع المطبوعة في دليل البصرة التجاري الملكي. 

تذييلات
 – الأسماء والمواقع والأدلة مقصودة في النص ومستعادة عن عمد.

– الأقدام نفسها منذ ربع قرن تتوقف عند فتحة الكشك ظهرا مع موعد وصول الصحف.

– أطفال منتصف النهار ينبعون من ثقوب الشارع.

 – الكشك علامة ابتداء وانتهاء مرصعة بلغة الشارع التي أنجبت هذا النص.

– الصورة: بعدسة أحمد محمود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى