تقارير وتحقيقاتفنون ورياضة

قصة موهبة عراقية بطعم أيام الحصار: فرح التي ترسم بإصبع قدمها

30 أيلول 2023

تتعد المواهب الفنية في العراق، بين الموسيقى والرسم والنحت حيث برزت شخصيات عدة من بلاد الرافدين في الساحة الفنية العربية وبعضها وصل إلى العالمية، لكن من بين تلك المواهب من كتبت قصتها بطريقة فريدة حاملة معها آلام الحصار الاقتصادي، متحدية الشلل بالموهبة، راسمة بإصبع قدمها.

الشابة فرح كمال الدين، من بين تلك المواهب الفنية في العراق، التي كسرت قوانين الطبيعة وتحدت ظروفًا أجبرتها على عدم الحركة لتتحول إلى فنانة تميزت بطريقة رسمها عن باقي الفنانات في هذا المجال، فكيف كانت قصة التميز منذ البداية؟

وتعرضت فرح لمرض شلّ حركتها، بفعل التشخيص الخاطئ وظروف الحصار الاقتصادي على العراق في تسعينيات القرن الماضي، لكنها ما زالت تتلقى العلاجات الطبيعية، وتمارس هوايتها التي أتقنتها بالقدم لا باليد.

مرض شل حركتها

بدأت فرح كمال (36 عامًا) حياتها بمرض اُصيبت به خلال الأشهر الأولى من عمرها وهو مرض اليرقان الولادي، جعلها تفقد حركتها، ومنعها من التحكم بأعصابها ومفاصلها. وبسبب مضاعفات المرض الشائع والذي يصيب الأطفال الرضع، تطور الأمر إلى فقدان الحركة والشلل، وهي لم تتجاوز عامها الأول.

تقول عائلة الشابة، إن (فرح) ما تزال تخضع للعلاج الطبيعي طوال السنوات الماضية ولغاية الوقت الحالي، وتشكو العائلة من تكاليف هذا العلاج وعدم تطوره في العراق.

وبحسب دراسات طبية، فإن اليرقان الولادي أو يرقان الرضع حالة طبية يتطلب عناية خاصة، ويحدث بسبب زيادة مستوى البيليروبين في الدم عن الحد الطبيعي.

وترى طبيبة الأسرة ربى فلاح، أن إهمال علاج مرض اليرقان بعد الولادة قد يؤدي إلى حدوث أعراض ومضاعفات خطيرة على الشخص المصاب.

ويؤكد فلاح أن “زيادة نسبة اليرقان في جسم الإنسان يؤدي إلى مضاعفات خطيرة”، مشيرة إلى “ضرورة عدم إهمال المريض منذ الطفولة ومعالجته وحمايته من تطور هذا المرض”.

خطأ التشخيص وظروف الحصار

والد (فرح)، كمال الدين إبراهيم، تحدث عن تفاصيل إصابة ابنته بمرض اليرقان وأسباب حصول المضاعفات لها، وأوضح أن فرح وبعد إصابتها بالمرض ومراجعة الأطباء لمعالجة حالتها “طمأننا الأطباء بعدم وجود أي مخاوف من حالتها بمجرد وضعها تحت إضاءة وتقديم علاج طبيعي لها حتى تشفى”.

ويضيف إبراهيم، أنه “بعد عدة أشهر من الولادة والاصابة بمرض اليرقان الولادي اكتشف والدي أن فرح لا تستطيع المشي على أرجلها وقاموا بمراجعة الأطباء لكنهم لم يستطيعوا تشخيص حالتها المرضية”.

لم تفقد فرح الإدراك العقلي رغم تأثير المرض على خلايا الدماغ، بحسب ما يقول والدها، كما يشير إلى أن “فرح بدأت منذ عامها الأول بالعلاج الطبيعي داخل المنزل من خلال ممرضة كانت تعالجها”.

حجم الصعاب التي واجهتها عائلة (فرح) في علاجها، يسرده والدُها، حيث “لم تستطع (فرح) إكمال رحلة العلاج بشكل متواصل بسبب فترة الحصار على العراق والظروف الاقتصادية”، وقد اضطرت العائلة بحسب ابراهيم إلى “إيقاف واستئناف العلاج بين فترة وأخرى وهذا الأمر أضاع أمل الشفاء”.

بداية رحلة الرسم

بدأ والد (فرح) بتعليم ابنته منذ طفولتها كيفية الرسم عبر أصابع القدم، وكانت في بادئ الأمر تواجه صعوبة؛ لكن من خلال الممارسة والتمرين أصبحت قادرة على الرسم بقدمها.

“تعلم الرسم منح (فرح) سعادة لكونها بدأت تشعر بأنها قادرة على عمل أي شيء رغم إعاقتها وكذلك التنفيس عمّا في داخلها بالرسم”، كما يخبرنا والدها، وقد شاركت الشابة “في عدة معارض فنية وكانت تحظى بدعم معنوي من الحاضرين لكونها استطاعت أن تقاوم الإعاقة وتقدم لوحات فنية جميلة”.

وتواظب عائلة فرح على عمل التمارين لها لتحسين الرسم و”هذه التمارين تأتي أيضًا ضمن العلاج الطبيعي لتجنب تقيد حركتها في مفاصلها”.

أمل في ظلام

تأمل أميرة عبد الله، والدة فرح، أن ترى ابنتها تمشي على أرجلها رغم إدراكها بحجم صعوبة هذا الأمر إذا بقي العالج الطبيعي في العراق غير متطور، كما ترى.

أمنيات والدة (فرح) تبوح بها وتقول: “نتمنى من الحكومة أن تهتم بذوي الاحتياجات الخاصة وتوفر لهم مستلزمات العلاج والحياة التي عاشت في فترات ظلام دون حلول لمشاكلهم”.

وتجدد أملها في أن “ترى (فرح) تمشي على أرجلها”، وتستدرك بالقول: “لكن بسبب عدم التقدم في مجال العلاج لمثل حالتها المرضية حرمنا من هذا الحلم”، فضلًا عن أنه “مكلف ماديًا”.

بداية ضعيفة ثم جمهور إلكتروني

دخلت (فرح) إلى عالم التواصل الاجتماعي من خلال صفحة على موقع انستغرام تديره شقيقتها الأصغر (شهد)، التي تقول إن “لدى فرح جمهور ينتظر كل لوحة تنشرها ليعبروا عن إعجابهم بتطور فنها”، كما تلحظ شهد “وجود تطور سريع في القدرة على الرسم”.

بدأت (فرح) تعلم الرسم بالقدم حيث كان من الصعب عليها تحريك أو التحكم بأيديها وبمساعدة والدها، وقد “بدأت تتحسن تدريجيًا في الرسم بعدما كان رسمها ضعيفًا جدًا”، كما تسرد (شهد) قصة شقيقتها لـ”ألترا عراق”.

وتُكمل: “ترسم (فرح) لوحات متعددة لمناظر طبيعية وشخصيات تتأثر بها. كانت فرح ترسم اللوحة خلال فترة تتجاوز 3 أشهر؛ لكنها اليوم صارت لا تتجاوز 10 أيام في اللوحة”، وفق شهد، “وهذا تطور جيد”، تثني معلقةً.

وإلى شهد، تعود فكرة إنشاء صفحة خاصة بشقيقتها على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة انستغرام، حيث تدير الصفحة وتنشر لوحات ورسومات (فرح) وتروّج لها. وتؤكد شهد أن “لوحات (فرح) حققت آلاف الإعجابات والمتابعات من رواد مواقع التواصل الاجتماعي”.

في الجانب الآخر، تعود شهد للحديث عن حجم الصعاب التي تواجه عائلتها يوميًا لعلاج شقيقتها، وتقول إن “(فرح) ما تزال تواجه مشاكل عدة خاصة مسألة العلاج”، وتضيف: “العلاج الطبيعي مكلف جدًا. تصل تكلفة جلسة العلاج الواحدة لقرابة 30 ألف دينار [20 دولارًا تقريبًا]،وتحتاج لجلسة علاج كل يوم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى