خاتون خضر.. قاتلت داعش بــ”فتيات الشمس” فانتصرت

ايما غراهام هاريسون
ترجمة- ليندا ادور
قبل أن تفكر خاتون خضر بحمل السلاح بسنوات، كانت قد اكتسبت شهرتها من أغنية لها عن إمرأة ذهبت الى الحرب، تلك البطلة التي لحقت بحبيبها الى ساحة القتال وهي متخفية. عند ذاك، تساءلت خاتون، قبل سنين من نشوء ما يسمى بدولة داعش، ونحو عقد من الزمن قبل أن تستولي عناصره الارهابية على أراضيها، هل من الممكن أن يأتي اليوم الذي تحمل فيه هي بنفسها السلاح لتحارب!
خاتون خضر، المغنية الايزيدية المشهورة، التي اصبحت آمر كتيبة جميع أفرادها من النساء، لمحاربة داعش، يزين ذقنها ووجنتيها وشم بلون ازرق داكن وهو الوشم الذي يميز المنطقة التي ولدت فيها وتقطنها الاقلية الايزيدية، ذو الاعداد القليلة والتاريخ الطويل مع هذا الدين، الذي شعاره الطاووس الملك والمحرمات التي تحيطه باللون الازرق، ويعاني الاضطهاد على مدى قرون. تتمتع خضر بموروث موسيقي مثقل بقصص الحرب والمجازر والخسائر، كحياتها الشخصية، التي أثقلتها الصراعات القريبة والبعيدة.
تقول خضر، وهي جالسة داخل احدى الثكنات الى الشمال من جبل سنجار بعد اكمالها لفقرة التدريب العسكري مع اولى خيوط الفجر، حيث تعيش الان "لقد قضينا حياتنا ونحن نخوض حروبا لا طائل منها". جند والدها للقتال خلال الحرب العراقية الايرانية بعد ولادتها بشهور قليلة وتم أسره بعد ذلك، لتكبر خضر دون أن تتعرف او تشاهد والدها لنحو عقد، تعتقد خاتون أن غيابه قد اسهم في تجسيد شكل المغنية التي اصبحت عليه. تقول خضر والتي تنحدر من عائلة يعمل أفرادها بالرعي والموسيقى، "في طفولتي، كثيرا ما كان جدي ووالدتي ينتحبون ويبكون غياب والدي وهو أسيرا لدى ايران، شيء ما في داخلي دفعني لاعبر عن هذا الحزن" مستذكرة، "لم اهنأ باوقات سعيدة وهذا ما جعل مني مغنية". ولدت خضر في مراعي أعالي جبل سنجار الصيفية حيث يخيم هناك الاهالي لعدة شهور من كل عام، بهدف تسمين قطعان الرعي، فنشأت محاطة بالاغاني والارث الموسيقي لمنطقتها.
طنبور
اضطرت خضر لترك المدرسة بعد انهائها مرحلة الصف السادس للعمل صباحا كعاملة في مزارع بلدتها وعدم توفر مدرسة ثانوية قريبة. وقد أدت العقوبات التي فرضت على العراق أبان النظام السابق الى رفع أسعار المواد الغذائية، ما وضع العائلة في حالة عوز للمال. بقيت أغاني الطفولة راسخة في ذهن خضر وهي تعمل في الحقول، فطلبت من صهرها أن يجلب لها طنبورا (آالة موسيقية وترية قديمة ذات عنق طويل وخمسة أوتار تشبه العود) وتعلمت العزف عليها بنفسها. بدأ الاقارب والاصدقاء بالتجمع حولها للاستماع والاستمتاع بالحانهم المفضلة, لكن لكونها إمراة تنتمي لمجتمع محافظ، لم تتوقع أن يستمع اليها شخص أخر غير اقاربها.
تقول خضر "كنت اغني في المنزل ولم يلحظ والدي ذلك، لم أكن أرغب بالغناء علنا بسبب ثقافتنا وتقاليدنا التي لم تترك للنساء الحرية في امتهان الموسيقى والغناء". بدأت خضر مسيرتها الاحترافية عندما اكتشف ابن عمها موهبتها فضلا عن العائد المادي الذي ممكن أن يجنيه من خلفها. بداية، لم تكن خضر تعرف حتى كيف تعمل الكاميرا، حيث دعاها قريبها للغناء أمام العائلة، وكان يقوم بتصويرها عن طريق الفيديو خفية.
حققت الاغنية مبيعات خيالية وصلت نحو 4000 نسخة، وهو رقم هائل اذا ما قورن بمجتمعها الفقير ماديا وتكنولوجيا. أصابت الشهرة المفاجئة، خضر، بالحرج لخشيتها بأنها ستجلب فقط العار لها لتفاجأ بدعم والدها لها، الشيخ علي شمسي، التي طالما شعرت بأنه غريبا عنها بعد أن أطلق سراحه من أسره في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. تقول خضر "ذهبت للقاءه عند نقطة التفتيش بعد اطلاق سراحه وكان بصحبته اثنين من رفاقه الاسرى الذين أصبحوا أصدقاء فيما بعد. كانوا قد شاهدوني بالصور وتعرفوا علي قبل أن اتعرف على والدي".
بمرور الوقت، اكتشفت خضر أن الامر حين يتعلق بحقوق المرأة، فهو (أي والدها) شخص متطرف يريد أن يثبت لها انه بطلها في الموسيقى والحرب، قائلا لها، لدى تلقيها دعوة لحضور حفل غنائي كبير في البلدة وبحضور كبار قادة الطائفة الايزيدية العام 2004: "كان يتوجب عليك اخباري برغبتكي في الغناء وانا مع هذا الامر". وكان ذلك هو الحضور الاول لها أمام حشد من الناس لدرجة انها شعرت قد شلت من شدة الخوف، قبل ان تلاحظ ان احد كبار الشخصيات الحاضرة يبكي بصمت، والذي أخبرها فيما بعد انه تأثر ليس فقط بالاغنية بل بالمغنية كذلك. تقول خضر "عندما قررت ان اصبح مغنية كان الامر أشبه بالذهاب الى جبهات القتال، فمن الصعب اختيار هذه المهنة كإمرأة".
لحظة رثاء
كانت أغاني خضر مأساوية حزينة، لكن بالنسبة لها، تلك السنوات كانت الاكثر سعادة ومليئة بالموسيقى والشهرة. تعلق خضر قائلة: "هكذا هي الحياة، قد نمر بلحظات سيئة وقد نصادف السعادة والحزن. حياة المغني هي الافضل". تندب خضر في لحظة رثاء حياة مضت حين اجتاحت عناصر داعش المجرمة بلدتها ودمرت قراها وبيوتها في صيف العام 2014، واستباحوا حرمة المنازل وما خلفوه من جرائم قتل وتعذيب واغتصاب واستعباد لناسها واصدقاءها وعائلتها. لم تمر سوى شهور عدة حتى ارتدت خاتون بزتها العسكرية تملؤها الرغبة العارمة بالانتقام.
لم تكن خضر تشبه الجنود في عدة نواح، هي سريعة الابتسام وحالمة وربما الاقل نحافة من كثير من القادة الضباط، تقول مبتسمة: "توقفت عن تناول وجبة الفطور لافقد القليل من الوزن". عرفت خضر بالتزامها الشديد، حيث قطعت عهدا على نفسها على ان لا تعود الى الغناء الا بعد تحرير شعبها حتى لو كلفها ذلك ان لا تغني مجددا، تشدد قائلة: "بعد كل ما حدث ويحدث للنساء والفتيات الايزيديات، قررت ان اتوقف عن الغناء حتى أثأر لهن جميعا، قد اعود للموسيقى مرة اخرى، لكن مهنة "المجندة" ربما قد يطول أمرها".
فقدت خضر كل ما يتعلق بحياتها الماضية، فقد عمد عناصر التنظيم الارهابي عند مداهمة منزلها الى تدمير الاتها الموسيقية وجميع تذكاراتها وقاموا بحرق الصور، مستهدفين اياها بسبب مهنتها التي ينظرون لها كلعنة. فقدت خضر احدى عماتها كأسيرة لدى داعش بينما قتل عمها المعوق في فراشه وقتل الاخر في ساحات القتال وتم اسر وقتل المئات من ابناء جلدتها، تقول: "نحن لا نكترث لتهديم وخراب منازلنا وممتلكاتنا فهي لا تساوي لدينا شيئا مقابل حياة طفل صغير واحد".
كانت خاتون شاهدة بنفسها على الرعب الذي عم سنجار لحظة اقتحام داعش لها، وكان حالها حال مئات الالاف الذين فروا للنجاة بأنفسهم صوب الجبال، حيث لقي الكثير منهم حتفه اثناء محاولته الهرب، حتى من نجح منهم بالوصول الى هناك، كانت بانتظاره ملاذات قاسية فوق المنحدرات الجبلية العالية في ظل صيف حارق. تذكر خضر بمرارة "رأيت الاطفال الصغار وهم يموتون عطشا وجوعا، والمسنين يهملون ويتركون لوحدهم. شاهدت بأم عيني كيف رمت بعض النساء بأطفالهن وهن يجرين خوفا من بطش داعش ووقوعهن في الاسر". عندما تم اخلاء الايزيديين من الجبال، قررت خضر العودة لحمل السلاح ومقاتلة داعش، وقوبل قرارها بدعم ومساندة والدها الذي كان داعما لقرارها السابق بالغناء. بدأت خضر من بعدها، بالضغط على المقاتلين الكرد من البيشمركة لمدها بالسلاح، فضلا عن الحصول على مباركة الزعيم الديني الاعلى للايزيديين.
فتيات الشمس
حصلت على موافقة والدها عندما أخبرته برغبتها في القتال رغم تحذيره لها من خطورة الامر لها كإمراة وانها قد تقع في قبضتهم، لكنها اصرت قائلة: "انه داعش الذي اسر نساءنا في كوشو وسنجار وغيرها من المناطق وانا لست بأفضل منهن". نجحت بعدها في استحصال موافقة رسمية من قبل حكومة اقليم كردستان على تشكيل كتيبة من المجندات الايزيديات بداية العام 2015 حملت اسم "فتيات الشمس" والتي تضم تحت لواءها نحو 200 فتاة بعضهن من ضمن الناجيات من قبضة داعش الارهابي وأسواق النخاسة التابعة له، بينما اتت الاخريات مدفوعات للثأر لاخواتهن وقريباتهن وصديقاتهن. تشير خضر الى ان تكوين هذه الكتيبة بحد ذاته هو ضربة للعدو قائلة: "في كل يوم نثأر لهن، ان من المخزي لداعش ان تقاتلهم النساء لانهم يعتقدون انهم لن يدخلوا الجنة عندما يقتلون على يد النساء، انهم جبناء، يغسلون ادمغة الناس ليرسلوهم الى الحرب والموت".
انها خطوة جوهرية من قبل النساء ضمن مجتمع محافظ وتقليدي، وجاءت كرد فعل للمأساة والرعب الذي خلفه داعش حتى ان الكثير من العائلات لم تمنع بناتهن من الانخراط في صفوف فتيات الشمس، وقد تزوجت الكثيرات منهن من مقاتلي البيشمركة. وعن الحياة العسكرية داخل الكتيبة، تقول خضر انهن اعتدن الاستيقاظ فجرا استعدادا للتدريب على السلاح وتنظيفه ومن بعدها مناوبات الحراسة حالهم حال الرجال بانتظار الاوامر للقتال. لم تفقد الكتيبة حتى الان، التي لاتبعد قاعدتها سوى مسافة ساعة بالسيارة من خط المواجهة مع العدو، اي من مقاتلاتها ما دفع النقاد الى وصفها بالدعائية أكثر من كونها قوة قتالية حقيقية.
تقول خضر عن نجاح معركة استعادة سنجار الخريف الماضي، بالرغم من انها حسمت لصالحها الا ان المدينة لم تزل خاوية من سكانها. رغم خيبة الامل، الا أن خضر واثقة من ان الايزيديين سيستعيدون منازلهم مرة اخرى رغم توثيق نحو 70 حملة ابادة جماعية شنت ضدهم. تشارك خضر جنودها قصص الانتقام والثأر والنجاة لالهامهن، مذكرة اياهن بقصة الشيخ ميرزا الذي ذهب الى القتال قبل قرن من الزمن ثأرا لأخيه. تتحدى خضر عصابات داعش قائلة: "لو كان الامر يتعلق بالمال لما تركت قراي بعشيقة وبحزاني وأتيت لقتالكم، لكني هنا لأثأر لاخواني، سأقتلكم واقتلع قلوبكم واكبادكم، انا قادمة اليكم".
*صحيفة الغارديان البريطانية
موقع صحيفة الصباح



