أقلياتتقارير وتحقيقات

حين التقت سيدة إيزيدية بخاطفها في سنجار… العودة مستحيلة!

فيكين شيتريان _ صحفي أرامني

“لا يأخذ السياسيون في العراق الإبادة الجماعية التي ارتكبت بحق الإيزيديين على محمل الجد”.

بارزان جوردو يبلغ من العمر 29 سنة، أمضى منها 9 أعوام في مخيم للاجئين. ها نحن نجلس أمام خيمته البلاستيكية، التي كانت منزله الموقت لسنوات في قصر نسرين. فر بارزان من منزله في مدينة سنجار في 3 آب/ أغسطس 2014، عندما هاجم تنظيم “داعش” (الذي أعلن قيام الخلافة الإسلامية وغيّر اسمه إلى “الدولة الإسلامية”) المدينة والقرى الإيزيدية المحيطة بها، ما أسفر عن قتل وخطف واغتصاب واستعباد كثيرين. والآن، بعد سنوات على هزيمة تنظيم “داعش” وخروجه من سنجار، لا يستطيع بارزان جوردو العودة إلى دياره. وأوضح “منزلنا دُمر، ولا نملك الإمكانات لإعادة بنائه، وسنجار ليست آمنة، ولا تزال هناك جماعات مسلحة كثيرة”.

تقع قرية قصر يزدين في محافظة دهوك التابعة لإقليم كردستان العراق. تُعد القرية بمثابة مخيم غير رسمي، يضم حوالى 200 عائلة إيزيدية، لكل منها قصة مروعة. هذه القرية الصغيرة للاجئين ليست بعيدة من مخيم خانكي الذي يخضع لإشراف الأمم المتحدة ويوفر خدمات صحية وتعليمية محدودة. لماذا لا يعيش بارزان جوردو هناك؟ يجيب بارزان، “لأنه لا مكان داخل المخيم. أعتقد أنني سأحاول مغادرة العراق. هنا، لا مستقبل. بخاصة للإيزيديين”.

بث تنظيم “داعش” الرعب والأهوال في مدينة سنجار بدايةً من 3 آب 2014، حتى 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، بعدما تمكن المقاتلون الأكراد والإيزيديون، بدعم من غارات التحالف الجوية، من استعادة السيطرة على المدينة. إلا أن القليل فقط من سكانها عادوا إلى ديارهم. والمدينة نفسها التي كان يعيش فيها سابقاً 70 ألف نسمة، لا يزيد عدد سكانها الآن عن 2000 نسمة.

يقول ميرزا حسن دنايي، الناشط البارز في مجال حقوق الإيزيديين والزعيم المحلي، “ثمة ما يقرب من 150 ألفاً من أصل 400 ألف نسمة عادوا إلى ديارهم”. وقد عاد معظمهم إلى القرى الواقعة شمال جبل سنجار. مضيفاً، “غادر 100 ألف غيرهم البلاد. لا يشعر أي من الإيزيديين أو المسيحيين بالأمان هنا، لأنهم يتساءلون: ماذا سيحدث إذا جاء تنظيم داعش آخر؟”.

تُشكل المسألة الأمنية العقبة الرئيسية التي تحول دون عودة الإيزيديين إلى ديارهم. فقد أصبحت سنجار (أو شنگال بالنسبة إلى السكان المحليين) موضع خلاف بين الجماعات السياسية المتنافسة وفصائلها المسلحة: “الحزب الديمقراطي الكردستاني”، و”حزب العمال الكردستاني”، والجيش العراقي، و”قوات الحشد الشعبي”، وجميعها تسيطر على أجزاء من المنطقة. وعلاوة على ذلك، يشن الجيش التركي غارات جوية منتظمة ضد المقاتلين الأكراد المتمركزين في جبال سنجار، ويهدد بين الحين والآخر بشن هجوم عسكري كبير. وهذا الصراع على السلطة، إلى جانب الافتقار إلى أي مساعدات جادة لإعادة بناء ما دُمر، يجعل العودة مستحيلة.

عودة عائلات “داعش” بلا مصالحة

فيما لا يزال كثر من الإيزيديين غير قادرين على العودة إلى ديارهم، فقد عاد بعض أعضاء تنظيم “داعش” السابقين إلى المنطقة. واندلعت جراء ذلك تظاهرة في سنجار في 28 نيسان/ أبريل، بعدما أعاد الجيش العراقي عائلات عربية كثيرة انضمت سابقاً إلى “داعش” إلى البلدة. وتعرفت امرأة إيزيدية إلى أحدهم، كان لقبه الحاج عياد، وهو عضو في “داعش”، قام سابقاً باختطافها واغتصابها. تقول في مقطع فيديو إنها تعرفت إليه، مضيفة أن والدها وشقيقها اللذين اختطفهما “داعش” لا يزالان في عداد المفقودين.

شرع أكثر من 20 إيزيدياً في التظاهر تعبيراً عن غضبهم، مطالبين بعدم السماح للعائلات التي ارتكبت جرائم بالعودة إلى المدينة. بيد أن ما تلى ذلك يكشف عن مدى استمرار خطاب الكراهية ضد الإيزيديين في العراق وخارجه. فقد بدأت الإشاعات تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، من قبل بعض الزعماء الدينيين ووسائل الإعلام، بأن الإيزيديين هاجموا مسجداً للمسلمين السنة في سنجار وأحرقوه. وانتشر مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، يعود تاريخه إلى عام 2014 لهجوم على مسجد مصعب بن عمير في محافظة ديالى، وألقى شيوخ خطباً نارية خلال صلاة الجمعة حول ذلك. وخاف الإيزيديون من أن تؤدي الإشاعات حول مهاجمة مسجد إلى اندلاع أعمال عنف جديدة ضدهم.

“لا يزال العرب غير مستعدين للاعتذار عما حدث للإيزيديين والمسيحيين والشبك وغيرهم”.

يوضح هذا الحدث كيف أن عائلات “داعش”، التي عاشت سنوات في المخيمات، تتمكن من العودة من خلال صفقات سياسية بسيطة، من دون إجراء عملية مصالحة مناسبة مع ضحايا التنظيم السابقين. يقول ميرزا حسن دنايي، “لا يزال العرب غير مستعدين للاعتذار عما حدث للإيزيديين والمسيحيين والشبك وغيرهم”.

حسن جندي حمو، هو لاجئ من قرية تل بنات، وضابط شرطة مسؤول عن أمن مخيم قصر يزدين. كان يعمل خلال الساعات الأولى من يوم 3 آب 2014، عندما هاجم “داعش” مدينة سنجار. يقول حسن، “لم نكن نتوقع أي هجوم، فوجئنا، واضطررنا إلى الفرار إلى الجبل”. وفي المذابح التي أعقبت ذلك، فقد 14 من أفراد عائلته، بمن فيهم والده. سألته، “من هم المهاجمون؟”. أجاب، “في اليومين الأولين، كان الذين هاجموننا جيراننا، من القرى المجاورة. والآن، يعود مقاتلو “داعش” السابقون تحت حماية الجيش، من دون تقديم أي اعتذار، فهم فخورون بما فعلوه، ثم يقولون إنهم أبرياء”.

وأضاف أنه حتى الآن، “لا يأخذ السياسيون في العراق الإبادة الجماعية التي ارتكبت بحق الإيزيديين على محمل الجد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى