البيئة والمناختكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي.. هل ينقذ البشر من التغيرات المناخية؟

21 فبراير 2024

يشكل التغير المناخي أحد أهم التحديات الرئيسية التي تواجه البشرية في القرن الحالي، إذ بات يثير تساؤلات عن مستقبل كوكب الأرض، مما استدعى تضافر جهود العلماء والمهندسين والخبراء في مختلف التخصصات لتسخير معارفهم ومهاراتهم لابتكار حلول ناجعة لحماية الكوكب.

وتتوقع العديد من الدراسات البحثية الحالية أنه إذا لم تُتخذ إجراءات فورية لمعالجة آثار التغيرات المناخية، فإن الآثار الناتجة قد تؤدي إلى نقص الغذاء والماء في العقود القادمة وكذلك التأثير على صحة البشر.

ولهذا السبب، بدأت تتكاتف جميع الأطراف للعمل على ابتكار وتطبيق الخطوات الأساسية والتكيف للحد من هذه المخاطر المحتملة عبر الاعتماد على علم البيانات والتكنولوجيا الناشئة والابتكارية، ليظهر الذكاء الاصطناعي حلا واعدا يمكن أن يسهم بشكل كبير في مكافحة هذا التحدي.. فكيف يكون ذلك؟

التنبؤ بالظواهر المناخية
يقول الباحث في تحليل بيانات الأقمار الصناعية ونظم معلومات جغرافية عبد الله سكر في حديث مع “الجزيرة نت”: إن توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال التغير المناخي يسهل من فهم الظواهر المناخية السابقة وتحليلها بشكل أسرع من الطرق التقليدية، كما يساعد في التنبؤ بالظواهر المناخية خلال السنوات القادمة، وفي المقابل هو ليس أداة سحرية ولكنها عامل مساعد ومؤثر في مواجهة الكثير من التحديات المناخية.

ويشارك سكر صورا التقطها بواسطة الأقمار الاصطناعية لمنطقة الأهوار في العراق في عامي 2020 و2022 تُظهر التغير المناخي الكبير والمتسارع الذي يصيب العراق، وصورا أخرى لنهر دجلة بسامراء العراق في نفس العامين تُظهر الجفاف في النهر وتراجع المساحة الخضراء في المنطقة، ويؤكد أنه عند استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه الحالات يمكن أن يفسر ويحلل هذه الصور ويعطي نتائج أفضل وأسرع، كما يمكن التنبؤ بالشكل الذي سيكون عليه النهر والأهوار في السنوات القادمة، وبالتالي يمكن السعي والعمل على التخفيف من حدتها والبحث عن حلول قبل فوات الأوان.

صور من الأقمار الاصطناعية لمنطقة الأهوار في العراق عامي 2020 و 2022 تظهر التغير المناخي المتسارع هناك (الجزيرة)
صور لنهر دجلة بسامراء العراق في عامي 2020 و 2022 تظهر جفاف النهر وتراجع المساحة الخضراء في المنطقة (الجزيرة)
جفاف نهر دجلة بالعراق

مجالات توظيف الذكاء الاصطناعي في التغير المناخي
يُجمع الخبراء على أن مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي في التغير المناخي عديدة، مثل الأعاصير والاحتباس الحراري، إذ يرى الأستاذ في النمذجة ومحاكاة الظواهر الكونية في جامعة الملك عبد الله لتكنولوجيا المعلومات في الأردن صالح الشرايعة، في حديث لـ”الجزيرة نت”، أنه يمكن من خلال المعلومات المغذية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي التعرف على الأسباب وبالتالي تجنبها، وأيضا يمكن التنبؤ بها لتفادي كل تلك الكوارث، علما بأنه يوجد حاليا تقنيات استخدام الذكاء الاصطناعي مثل “ديب مايند” لشركة غوغل الذي يساعد على عدم أو تجنب اختلاط الكربون بعزله عن الغلاف الجوي.

ويضيف الشرايعة أن نتاجات استخدام الذكاء الاصطناعي يساعد على تطوير حلول ذكية صديقة للبيئة وتجنب الطرق التقليدية في إنتاج الطاقة التي لها أثر كبير في التغيرات المناخية والتي بدورها تؤثر سلبا في البيئة، وبالتالي يضع بين يدي صناع القرار المعلومات اللازمة لاتخاذ الخطوات اللازمة لصنع واتباع سياسات تحد من التغيرات المناخية التي تؤثر سلبا على كافة نواحي الحياة.

ويسرد الشرايعة المجالات التي يساعد الذكاء الاصطناعي في دراستها والتنبؤ بها مثل: احتباس الكربون والأعاصير والفيضانات والجفاف وحركة الرياح والتلوث البيئي وتراجع المساحة الخضراء على سطح الأرض، ويساعد في تفادي تأثير الأعاصير الكهرومغناطيسية على الغلاف الجوي الأرضي.

ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين استهلاك الطاقة وتقليل الانبعاثات في عدة قطاعات، فعلى سبيل المثال، يمكن أن يساعد في صناعة النقل عبر تطوير أنظمة إدارة حركة مرور أكثر كفاءة، مما يقلل الازدحام واستهلاك الوقود.

وباستطاعة الذكاء الاصطناعي أن يتنبأ بوقوع الفيضانات، إذ طور فريق أبحاث غوغل نموذجا هيدرولوجيا عالميا يتيح التنبؤ بالفيضانات قبل سبعة أيام من وقوعها، وتُنشر هذه المعلومات عبر منصة “فلود هب”، كما تضاف أيضاً إلى “تنبيهات إس أو إس” في محرك بحث غوغل وخرائط غوغل. وهذه التكنولوجيا متوفرة في أكثر من 80 دولة حول العالم، وتخدم أكثر من 470 مليون شخص، ويساهم ذلك في توفير استجابة أفضل للكوارث الطبيعية.

الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة
يبرز دور الذكاء الاصطناعي في مجال الطاقة المتجددة كرفيق ومنقذ للبشر، كما يصفه أستاذ الذكاء الاصطناعي في الجامعة الأردنية إبراهيم الجراح، إذ يساهم في أن يدرك الإنسان المناخ الذي يعيش به ويسانده في مواجهة التحديات التي لا يمكن أن تخطر على باله.

وأكد الجراح في حديث لـ”الجزيرة نت” أن استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الطاقة المتجددة يساهم في الحصول على مؤشرات وتنبؤات مستقبلية تساعد في إنتاج طاقة الرياح التي تعتمد على تحليل بيانات ومعلومات الطقس، وإنتاج الطاقة الشمسية والتنبؤ بحجم الإنتاج بدقة كبيرة.

كما يساهم في زيادة كفاءة وجود عمل الطاقة المتجددة، ويمكن لخوارزمياتها أن تحسّن تشغيل وصيانة البنية التحتية للطاقة المتجددة، مما يؤدي في النهاية إلى زيادة عمرها الافتراضي وخفض التكاليف الإجمالية، وذلك عبر التنبؤ بالوقت المحدد لصيانة المراوح التي تعمل في إنتاج طاقة الرياح أو مزارع الطاقة الشمسية من خلال طائرات من دون طيار التي يمكن أن تحلق فوق تلك المراوح، وفق الجراح.

وينتج عن توظيف تلك الخوارزميات التقليل من انبعاثات الكربون، مما يضمن استخدام الطاقة النظيفة إلى أقصى إمكاناتها، وبجانب ذلك تستخدم لتحسين كفاءة الاستخدام البيئي للموارد، عبر تشغيل وتطوير أنظمة وبنى تحتية ذكية تحد من هدر الطاقة.

حلول مبتكرة لمواجهة التغير المناخي
قدمت منظمة العفو الدولية للعمل المناخي بعض الحلول التي تعمل بالذكاء الاصطناعي للعمل المناخي في البلدان النامية -ومن ضمنها أقل البلدان نمواً والدول الجزرية الصغيرة النامية- تبدأ بتقنيات التكيّف المبتكرة.

وبالإمكان تحسين أنظمة الأغذية الزراعية وإدارة المحاصيل مع توقع الذكاء الاصطناعي أفضل أوقات الزراعة، وتقييم صحة التربة ومراقبة تفشي الآفات والأمراض، ويمكن للزراعة الدقيقة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي أيضا تقليل استخدام المياه وتعزيز ممارسات الزراعة المستدامة وتعزيز إنتاج الغذاء. فعلى سبيل المثال، تستخدم الهيئة الحكومية المعنية بالتنمية “إيغاد” الذكاء الاصطناعي لتعزيز التنبؤ القائم على التأثير من قبل مركز التنبؤات والتطبيقات المناخية في قطاعات الزراعة بشرق أفريقيا، وهو مفتاح الأمن الغذائي وسبل العيش والتنمية الاقتصادية.

وفيما يتعلق بأنظمة الطاقة المتجددة، يمكن تحسين الكفاءة والموثوقية من خلال خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تتنبأ بالطلب على الطاقة وتحسين عمليات الشبكة ودمج مصادر الطاقة المتجددة بسلاسة والحد من انبعاثات غازات الدفيئة وتعزيز التحول نحو حلول الطاقة منخفضة الانبعاثات. وأحد الأمثلة ساعة الطاقة المتجددة العالمية، فهو أطلس مباشر يهدف إلى رسم وقياس تركيبات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على نطاق المرافق باستخدام صور الذكاء الاصطناعي والأقمار الاصطناعية، مما يسمح للمستخدمين بتقييم تقدم انتقال الطاقة النظيفة وتتبع الاتجاهات بمرور الوقت.

وإضافة إلى ذلك، هناك بعض التطبيقات العملية لكيفية نشر الذكاء الاصطناعي في مبادرات العمل المناخي، فمثلا يستخدم نموذج ديب مايند التابع لغوغل الذكاء الاصطناعي لتحسين أنظمة التبريد في مراكز البيانات، مما يقلل من استهلاك الطاقة والانبعاثات، وأدت أنظمة توصيات الذكاء الاصطناعي إلى تحسين كفاءة استخدام الطاقة في مراكز البيانات.

وتوظف مبادرة غوغل للذكاء الاصطناعي من أجل الأرض؛ الذكاء الاصطناعي لمواجهة تحديات تغير المناخ، بما في ذلك إزالة الغابات والتنبؤ بحرائق الغابات والاستجابة للكوارث.

أما في مجال تقليل الانبعاثات فقد عمل برنامج الذكاء الاصطناعي من أجل المناخ التابع لشركة مايكروسوفت على تطوير حلول الذكاء الاصطناعي لتقليل الانبعاثات وتحسين كفاءة الطاقة وحماية النظم البيئية.

وقامت منظمة أخرى مرتبطة بشركة “إنفيديا” ببناء نماذج محولات الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن توفر تنبؤات دقيقة ومركّزة للغاية حول الشمس والسحاب فوق المملكة المتحدة والتي تعمل على تحسين التنبؤات بالظروف الشمسية، وأدى هذا إلى تحسين الجيل بما يصل إلى ثلاثة أضعاف.

في النهاية، تكشف كل هذه المعطيات أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية متقدمة، وإنما أداة يمكن أن تنقذ الكوكب من خطورة التغير المناخي، إلا أن ذلك ما هو إلا معزز للعنصر البشري الذي تقع على عاتقه مسؤولية تحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي والتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى