تقارير وتحقيقات

بعد الأرهاب ؛ هل ينتصر العراق في حربه على المخدرات ؟

حمزة سلام

يكاد لا يمر أسبوع دون إعلان السلطات العراقية القبض على تجار ومتعاطي المخدرات، فضلًا عن اشتبكات تخوضها بين فترة وأخرى مع شبكات تقول إنها ممتدة بمحافظات البلاد، ولهذا أعلنت الحكومة العراقية مؤخرًا أن الحرب على المخدرات هي الحرب الثانية التي ستخوضها في البلاد بعد حرب الإرهاب.

في يوم واحد ضبطت السلطات العراقية 12 مليون حبة مخدرة في بغداد

ومؤخرًا، أعلن جهاز الأمن الوطني العراقي في بيان، ضبط أكثر من 12 مليون حبة مخدرة بعملية نوعية، نفذها في أحد المناطق في شرق العاصمة بغداد، فيما تأتي هذه “العملية ضمن سلسلة عمليات، ضبط خلالها ملايين الحبوب المخدرة في بغداد والمحافظات”.

عراق خال من المخدرات

استضاف العراق الأسبوع الماضي، مؤتمر “بغداد الدولي الأول لمكافحة المخدرات”، بمشاركة عدة دول، وأعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني خلاله عن خطة نحو عراق خال من المخدرات.

السوداني قال في كلمته بالمؤتمر، إنّ “قضية المخدرات باتت تهدد المجتمعات، وخطرها يهدد كيانات الدول ونواجه حربًا معقدة، يتسلل فيها العدو ليفتك بأبنائنا، ويدمر أسرنا، ويفكك نسيجنا الاجتماعي”.

واضاف أنّ “حربنا مع المخدرات لا تقل ضراوة وخطرًا عن حربنا التي انتصرنا فيها ضد الإرهاب وتسلح مجتمعنا بالقيم الأصيلة، وتبنى رفض هذه السموم التي تخرب الحاضر والمستقبل، وهذا موقف نفتخر به كعراقيين”.

وأوضح السوداني، أنه “لم ولن نتساهل في مواجهة المخدرات، لا على المستوى القانوني ولا على المستوى الاجتماعي، وأن قواتنا الأمنية تتعامل مع الاتجار بالمخدرات ونقلها وكل من له يد بها، على أنه تهديد أمني وإرهابي، وأنشأنا مصحات خاصة لعلاج ضحايا الإدمان والمخدرات، تتضمن الدعم الطبي والنفسي والاجتماعي لهم”.

سوق رائج للمخدرات

وكان العراق سابقًا يعتبر “ممرًا” لعبور المخدرات من دول شرق ووسط آسيا إلى غرب آسيا، ثم دول أفريقية وأوروبية، لكن بعد سنوات من سقوط النظام السابق في عام 2003، تحول إلى سوق رائج للمخدرات، مما دق ناقوس الخطر لدى الدولة العراقية التي سارعت إلى إجراءات رادعة للحد من المتاجرة والتعاطي مع تلك المواد.

رغم إعلان السلطات الحرب على المخدرات في العراق لكنها تنتشر بين صفوف الأجهزة الأمنية وفق اعتراف رسمي

ومنذ سنوات، تعتبر الحدود العراقية الإيرانية المعبر الرئيس للمواد المخدرة، حيث كانت القوات العراقية تضبط يوميًا كميات متفرقة من المواد الممنوعة لدى مسافرين عراقيين وأجانب يرومون إدخالها إلى العراق عبر المنافذ الحدودية في البصرة وميسان وواسط، ومؤخرًا انتقلت عمليات التهريب إلى المنافذ الغربية من البلاد، لاسيما في الحدود الأردنية والسورية، إلى محافظة الأنبار.

وبحسب قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم (50) لسنة 2017، يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد كل من استورد أو جلب أو صدر مواد مخدرة، أو مؤثرات عقلية، أو سلائف كيمائية، بقصد المتاجرة بها في غير الأحوال التي أجازها القانون أو أنتج أو صنع موادًا مخدرة أو مؤثرات عقلية بقصد المتاجرة بها أو زرع نباتًا ينتج عنه مواد مخدرة أو مؤثرات عقلية.

كما يعاقب القانون العراقي بالسجن المؤبد بحق من تكون بحوزته موادًا مخدرة أو ساعد على ترويجها، كما تكون العقوبة أخف تدريجيًا بحسب موقف المتهم أو الذي ضبطت بحوزته المواد المخدرة.

أخترقت القوى الأمنية

لكنّ حرب العراق مع المخدرات، تتضمن تفشيها بين صفوف الأجهزة الأمنية التي يقع على عاتقها تخليص المجتمع من “الآفة الخطيرة”، حيث أعلنت وزارة الداخلية عن إجراء فحوصات مفاجئة لمنتسبيها للكشف عن المتعاطين.

وذكرت الوزارة في بيان، أنّ “لجنة خاصة من الوزارة شرعت في الأول من نيسان/أبريل الجاري بإجراءات فحص عن متعاطي المخدرات في الوزارة”.

وأشارت إلى أنّ “عمليات الفحص ستستمر وبطريقة مفاجئة”، لافتةً إلى أنّ “وزارة الداخلية منحت فرصة لمنتسبيها ممن يتعاطى بالإبلاغ عن نفسه وأخذ إجازة لغرض العلاج”.

واشتبهت الوزارة بوجود 100 عنصر أمني في صفوفها من “المتعاطين للمخدرات”، وتعتبر هذه النسبة بحسب مختصين، “كبيرة جدًا لما لعنصر الأمن أهمية في محاربة المروجين للمخدرات”.

الآف في السجون

وبينما تفصح وزارة الداخلية عن أعداد المتهمين بتجارة المخدرات الذين تم القبض عليهم خلال عام واحد، تفصّل أنواع المخدرات التي تدخل لمحافظات الغربية والجنوب في البلاد.

ويقول مدير قسم علاقات وإعلام المديرية العامة لشؤون المخدرات في وزارة الداخلية حسين التميمي لـ”ألترا عراق”، إنّ “القوات الأمنية ألقت القبض على أكثر من 15 ألف متهم بقضايا المخدرات خلال العام المنصرم، بينما ضبطت كميات تقدر بنصف طن من المخدرات”.

وأوضح التميمي أن “مديرية مكافحة المخدرات تمتلك قاعدة بيانات متكاملة عن أساليب وطرق ومناطق دخول هذه المواد، وما هي أكثر المواد انتشارًا بالعراق، وأيضًا قاعدة البيانات عن أكثر المواد انتشارًا في العراق مثل المواد المنشطة للجهاز العصبي المركزي مرغوبة لدى الشباب بالعراق وإنما بالوطن العربي”.

“مادة الكريستال ومادة الحشيشة هي المواد التي تنتشر في وسط وجنوب العراق”، يقول التميمي، ويبيّن أنّ تلك الأنواع “تصدر عن طريق محافظة ميسان والبصرة”.

ويتابع أنّ “حبوب الكبتاجون والمؤثرات العقلية تدخل عن طريق محافظة الأنبار وأغلبية تلك المواد المخدرة تدخل عبر الطرق غير الرسمية في الشريط الحدودي وعن طريق الأهوار والصحراء وهذه مشخصة لدى المديرية العامة، وكذلك لدى وزارة الداخلية، فهذه العصابات تستهدف المناطق الحدودية لغرض تهريب هذه المواد المخدرة”.

وعن الأعمار التي تكون هدفًا لتجارة المخدرات، تبيّن وزارة الداخلية، أنّ “عصابات المخدرات تستهدف فئة الشباب من عمر 18 إلى عمر 30 سنة، حيث أن أغلبية الملقى القبض عليهم هم من فئة الشباب”.

جهاز مكافحة المخدرات

ويبين التميمي خطط وزارة الداخلية لمواجهة تفشي المخدرات، ويقول إنّ “وزارته تعمل ضمن جانبين، الجانب الأول هو الأمني في إلقاء القبض على المتهمين وتعتمد المعلومة الاستخباراتية والمعلومة التي يقدمها المواطن عن طريق الاتصال بالخط الساخن إلى المديرية العامة لمكافحة المخدرات”.

أما الجانب الثاني، فهو “التوعوي بإقامة ندوات ورش عمل ومؤتمرات مع رؤساء وشيوخ لغرض توعيتهم عن آثار ومخاطر هذه المواد المخدرة”، مبينًا أنّ “للإعلام دور مهم ودور منظمات المجتمع المدني لغرض توعية المواطنين عن آثار ومخاطر هذه الجريمة”.

ولفت إلى حاجة مديرية مكافحة المخدرات إلى “دعم بالأجهزة الحديثة والكوادر البشرية لرفع مستوى المديرية إلى مستوى الجهاز، وجعله مساويًا لجهاز مكافحة الإرهاب، لأن المخدرات والإرهاب هما وجهان لعملة واحدة”.

مصحات للعلاج

وافق مجلس الوزراء العراقي مؤخرًا، على فتح مصحات لعلاج المتعاطين بالمواد المخدرة، حيث افتتح السوداني الشهر الماضي، مركز “القناة للتأهيل الاجتماعي” في العاصمة بغداد بسعة 150 سريرًا بعد إعادة تأهيله.

وتدار المصحات الخاصة بعلاج المتعاطين من قبل وزارة الداخلية وتزامن ذلك مع قرار وزير الداخلية عبد الأمير الشمري إعادة هيكلة وتنظيم مديرية مكافحة المخدرات وربطها بمكتبه حصرًا.

وفي كل محافظة يوجد مركز علاج حالات الإدمان أو استشارية، بحسب المتحدث باسم وزارة الصحة، سيف البدر الذي يبيّن أنه “في بغداد يوجد أكثر من مركز وآخرها كان أكبر مركز تم افتتاحه قبل أشهر في مستشفى العطاء، سعته من خمسين إلى مئتي سرير ممكن أن يستوعب”.

وعن دور وزارة الصحة في مكافحة المخدرات، أشار البدر إلى أنّ “دورها هو فني صحي حصرًا”، فيما ينصح المدمنين على المخدرات بـ”عدم التخوف من مراجعة المؤسسة الصحية” لأن تلك المؤسسات تقدم الرعاية والمشورة الصحية وتساعد بعملية إعادة التأهيل الصحي والنفسي والاجتماعي، بالتنسيق مع الجهات الأخرى كوزارة العمل وغيرها من الجهات.

ويقول إنّ “وزارة الصحة تمكنت من افتتاح عدد من المؤسسات في هذا العام، وأيضًا سيكون هناك افتتاح قريب لمؤسسات أخرى، وهذه المراكز تدار من قبل أشخاص مدربين وأطباء وملاكات طبية وصحية وتمريضية وإدارية مدربين وفق معايير علمية دقيقة”.

منظمات على خط المواجهة

وظهرت مؤخرًا، منظمة مدنية تسمى “نقاهة” تتبنى علاج المدمنين على المخدرات، حيث تقول مؤسستها، إيناس كريم، إنّ “مواجهة المخدرات مسؤولية الجميع”، كما تبيّن حجم المخاطر الناتجة عن انتشار المخدرات في البلاد.

وتقول كريم ، إنّ “الإدمان على المخدرات يعتبر من الأمراض النفسية، وعلاجه يتم من خلال الطبيب النفسي، ومن ثم يتحول إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة التأهيل النفسي بعد سحب المادة المخدرة من الجسم”.

وتوضح أنها “اتخذت دور التأهيل النفسي للمتعافين من الإدمان على المخدرات وأسست منظمة نقاهة بعد موقف حصل مع طالب في المدرسة كان يتعاطى المخدرات”.

تقول الداخلية إنّ الكريستال والحشيشة هي المواد التي تنتشر في وسط وجنوب العراق

وتعتبر كريم أول امرأة في العراق دخلت في مجال معالجة المدمنين على المخدرات، على حد قولها، فيما تحذر من أن “العراق صار بلدًا مستهلكًا للمخدرات التي تمثل إرهابا لا يمكن مواجهته بالسلاح، بل بإجراءات واقعية تبعد الشباب عن التعاطي”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى