مقالات الرأي

أنسنة المعرفة وعولمة الإنسان!

خولة مقراني _ الجزيرة

تتردّد كثير من المصطلحات في خطابنا التحليلي، أو نقوم بترجمتها دون إدراك للمفاهيم الكامنة وراءها، ودون إدراك لمرجعيتها النهائية وبعدها المعرفي. نتحدث أحيانا عن “العقلانية”، “الليبرالية”، “العلمانية”، “الحداثة”، “وحدة العلوم”، “الاغتراب”، “الأنسنة” و”العولمة” وغيرها من مفاهيم عدة قام عليها الفكر الغربي الحديث، وأدلجها في مجتمعاتنا دون أن نعرف مرجعيتها. في حين أن المعنى الحقيقي لهذه المصطلحات لا يتضح إلا من خلال تحديد أبعادها المعرفية ومرجعيتها الكلية.

على سبيل المثال، إذا أخذنا الخلفية المعرفية في الاعتبار سنجد أن تعريف مصطلحات مستحدثة مثل “الأنسنة” أو “العولمة” ليس كما نفهمه من لفظها المنطوق كمصطلحات مشتقة من لفظ “إنسان” في إشارة إلى الجوهر الإنساني والأخلاقي الذي يميز الإنسان وإعطاء الأشياء نسقا تربويا، ولفظ “عالم” للتعبير عن التوسع والامتداد العالمي ما يجعل العالم يصبح أكثر تواصلا وتكاملا، بل من خلال ما تجره هذه المصطلحات من مفاهيم وفلسفات برزت مع استعمالها عند نشأتها في الغرب، حيث نَمت وأصبحت موضوعا يشغل الجميع، يشغل الغرب الذي يسعى إلى بسط سلطانه ونفوذه على العالم بقوته وحضارته المركزية، ويشغل غيره من الدول لحاجتها إلى التنمية وهي تفتقر إلى شروطها وتوجد على هامشها بعيدا عن المركز.

إنسانية الإنسان ومادية الأشياء
وفق قول فيليب هودار في كتاب “فلسفة الحداثة”، فقد ظهر مصطلح الأنسنة لأول مرة كثورة مضادة للكنيسة، بهدف تحرير الإنسان من أي سلطة خارجة عن ذاته، ولتحريره أيضا من التبعية اللاهوتية، ككائن له مطلق الحرية في رسم طريقه القيمي والفكري بعيدا عن أي سلطة لا تمثل إرادته البشرية، إلا أنها حينذاك لم تكن تيارا فكريا متكاملا ومنظما بالمعنى المعروف.

ثم ظهرت على إثرها النزعات الإنسانية الغربية المختلفة، وقد فصل الدكتور المسيري في دراسة تحليلية لأبرز رواد هذه النزعة من مفكرين من الشرق والغرب في كتابه “الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان”. وكانت أبرزها “النزعة المركزية” أو الدراما الفردانية التي أنكرت المطلق وألهت الإنسان، و”العدمية” التي نفت كل يقين ديني أو معرفي أو أخلاقي، بل وأيّ مركزية لأي كائن كان، إلها كان أم إنسانا، و”الداروينية” التي تقوم على فكرة أن البقاء للأصلح ماديا، وتذهب إلى أن العالم إن هو إلا مادة استعمالية يوظفها القوي لصالحه تتسم بالعماء الوجودي المفتقد للمعنى، وانبنت على هذه النزعات فلسفة كل من شوبنهاور القائمة على العدميّة الكمونية المادية والسيولة الشاملة حيث يكون التمركز الكلي حول الذات وتختفي القيم المعيارية وهي الأفكار التي تتسرب اليوم دون وعي إلى أذهان أغلب شبابنا عبر نجوم النصائح الروحانية والتنمية البشرية.

وكذلك فلسفة نيتشه صاحب النزعة التفكيكية الذي سعى بأفكاره إلى تحرير الإنسان من أي “أوهام ميتافيزيقية”، حتى يطهره تماما من ظلال الإله، لينفي عنه كل قيم وثوابت وغايات أخلاقية أو معرفية ويجعل من العالم نسقا هلاميا سائلا بلا معنى ولا يقين ولا غاية ولا مقدس.

ما ينبغي إدراكه أن عالم الإنسان يختلف عن عالم الأشياء بعدم خضوعه خضوعا كاملا لقوانين المادة أو الطبيعة، فهو قادر على تجاوزها وهذا هو جوهر الفكر الإنساني المرتبط بالمطلق الإلهي، سواء كان إسلاميا أو غير إسلامي. بعيدا عن الرؤى الغربية المتطرفة. فوجود الإنسان يتمثل بجانبين: إنساني وطبيعي، ما يجعله قادرا على تجاوز طبيعته المادية، وإذا ما محي هذا الفارق لساد ما يسمى بوحدة العلوم (Unity of science) التي تجرد الإنسان من إنسانيته، وتجعله خاضعا للقوانين الحتمية التي تخضع لها المادة، ما يعني تفكيكه ورده إلى ما هو دونه.

فالطبيعة محدودة العناصر المادية، يمكن حصرها ورصدها واخضاعها للتجريب على عكس الظاهرة الإنسانيّة فهي تتجاوز المركبات المادية إلى أخرى نفسيّة وتراثية وثقافية، ثم إن الظاهرة الطبيعية ليس لها إرادة حرة ولا وعيا ولا ذاكرة ولا حسا عاطفيا أو أخلاقيا، فهي صفات من كينونة إنسانية الإنسان. وبالتالي محاولة تشييء الإنسان أو أنسنة الأشياء، هي محاولة لتساوي بين الإنسان والأشياء ومحو هذه الثنائية واختزال الإنسان إلى ما هو دونه، وهذه الرؤية ليست معادية للإله فحسب بل معادية للإنسان أيضا.

لذا جاءت فكرة أنسنة المعرفة كوسيلة للاعتراف بالقيمة والأهمية الخاصة للإنسان في عملية المعرفة والعلم. من أجل التركيز على البعد الإنساني والروحي والثقافي للإنسان في عملية توليد وفهم العلوم، والتأكيد على أن الإنسان ليس مجرد مستهلك للمعرفة أو أداة في عملية البحث والتطوير، بل هو الفاعل الرئيسي الذي يمنح المعرفة قيمتها واتجاهها. ويتم ذلك من خلال التركيز على القيم والأخلاق الإنسانية، والاعتراف بأن للإنسان بعدا روحيا وثقافيا يجب أن يؤخذ في الاعتبار في عملية المعرفة.

ويمكن القول إن “أنسنة المعرفة” تشكل جزءا من الفكر الإنساني الغربي (Humanism) في التأكيد على قيمة الإنسان وجوهره، ولكنها تركز بشكل خاص على دور المعرفة والفهم في تحقيق التطور والتحرير الإنساني، وفي ذات الوقت يمكن أن تكون مشروعا منطلقه “أسلمة” المعرفة التي تعني تقديم الأخلاقيات والقيم الإسلامية في موقع متقدم عند بناء المعرفة. ولعلها بهذا تكون الرقعة المشتركة بين المفكرين الإنسانيين من الإسلاميين والعلمانيين التي تصارع الحداثة الداروينية.

ففي الوقت الذي مازالت شعوب مجتمعاتنا البسيطة تتجادل فيه حول مسألة: هل الإنسان أصله قرد؟ فإن الشعوب الغربية تجاوزتها إلى تعميم الداروينية من مجرد نظرية علمية في تطور الكائنات الحية إلى رؤية كلية للكون والحياة البشرية وتطور المجتمعات الإنسانية، كآلية صراع وتقدم لانهائي. رؤية لعالم يتصارع فيه الجميع مع الجميع، والبقاء فيه للأصلح والأقوى ماديًّا؛ بحيث ما يسري على عالم الطبيعة والغابة من قوانين يسري على الظواهر الإنسانية.

ثم تجاوزت توظيفها في الوسط الاجتماعي إلى توظيفها في الوسط السياسي؛ وتقوم على فكرة أن الشعوب والمجتمعات الذين أثبتوا عدم قدرتهم على البقاء فقد أثبتوا استحقاقهم الفناء أو على أقل تقدير خضوعهم لسيادة الأثرياء أو للسيادة الاستعمارية باعتبارها السيادة الأقوى والأصلح وهي الفئة المستحقة للبقاء. لذا كان السعي إلى الربط الشرطي بين المعرفة والأخلاقيات، فالأخلاقيات يجب أن تتعالى على كلّ الأوضاع البشرية حتى نضمن سموها وعلويتها وقدرتها على الفعل في الحياة البشرية.

الإنسان المعولم خائفا من الأفول
إن الإنسان المعولم، الذي يعيش في عالم معلوماتي وترفيهي تحكمه الأسواق الحرة، يجد نفسه محاطا بتغيرات سريعة وتحديات مستمرة كالعبثية والنسبوية (Relativism) والداروينية، تهدد بفقدان هويته وقيمه الإنسانية. وهو واقع ما فتئ يتسبب في خلخلة احترام الذات، وتشكك متزايد في عيش حياة تستحق عبء عيشها؛ فكانت النتيجة المتوقعة قلقا وجوديا مستداما ليس فقط من فقدان الاتجاه في عالم متغير، ولكن أيضا من فقدان القيم والأخلاق التي تمثل جوهر إنسانيته.

لذا كان لزاما وعي العولمة وإدراكها ابتداء، لضمان ترشيدها وحوكمتها أو قل أنسنتها إن جاز التعبير. فوجود أخلاقيات حاكمة يقتضي وجود معنى وغاية من الحياة وهذا ما لا توفره المعرفة أو العولمة بمفردهما؛ لأنها غير معنية بسؤال “لماذا؟”؛ بل بسؤال “كيف؟” وحده. سؤال المعنى ليس مكانه المباحث العلمية، بل لطالما كان سؤال مبحث المنطق الإلهي والمباحث الميتافيزيقية عموما.

انفتاح واثق وخلاق
لما كانت “أسلمة المعرفة” منطلق مشروع “أنسنة المعرفة”، كان لِزامًا على الإنسان أن يكون أكثر انفتاحا وتقبلا للأفكار والممارسات المستمدة من تجارب حضارية أخرى إسلامية كانت أو غربية في ذات الوقت، دون تدنيس ولا تلفيق. وأكثر تخففا من الالتصاق الحرفي الشكلي بالنص الديني -دون روحه وجوهره- ودون خروجه عن ثوابت الدين.

فالفكر الإسلامي كإنتاج لمفكرين عرب ليس بفكر مكتف بذاته منغلق أمام الاستفادة من أي أطروحات فكرية غربية متميزة، فالمهم ماذا نأخذ وماذا نترك؟ أن تكون قدرتنا على دعم القيم التي تخدم الإنسان بنفس قدرتنا على نقد ما يجب نقده ونقض ما يستوجب النقض لكل فكر معاد لإنسانية الإنسان، بعيدا عن التطرف ومنطق الإقصاء، وليس في الأمر شبهة لتأثير سلبي على استقلالية الفكر الإسلامي، ولعل أبرز من تبنّى هذا المنهج هو الدكتور عبد الوهاب المسيري -رحمه الله-في إطار محاولة صياغة مشروع فكري ملائم لتحديث مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى